حوار خاص| من طفلة صنعتها الصدفة إلى أم صنعت نجومية ابنها.. الفنانة حنان عادل تفتح خزائن الذاكرة وتروي أسرار الغياب والعودة
القاهرة – مصطفى المصري:
في عالم الفن، هناك نجوم يولدون تحت أضواء الكاميرات، وآخرون تصنعهم المصادفات الجميلة، لكن القليل فقط هم من ينجحون في تحويل تلك المصادفة إلى رحلة استثنائية تمتد لسنوات وتترك أثرًا في وجدان الجمهور.
ومن بين هذه النماذج، تبرز الفنانة حنان عادل، التي بدأت مشوارها وهي طفلة صغيرة لا تعرف أنها تمتلك موهبة الغناء أو التمثيل، قبل أن تقودها الأقدار إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون، لتصبح واحدة من أبرز أصوات الطفولة في جيل كامل، ووجهًا مألوفًا في السينما والدراما المصرية.
رحلة حنان عادل ليست مجرد سيرة فنية عادية، بل حكاية إنسانة عاشت النجاح مبكرًا، ثم اتخذت قرارًا جريئًا بالابتعاد عن الأضواء من أجل بيتها وأسرتها، قبل أن تعود لاحقًا بشكل مختلف، مدربة ومؤسسة لمشروعات فنية للأطفال، ووجهًا داعمًا لجيل جديد يتقدمه نجلها الفنان أحمد عبد الحميد، الذي استطاع أن يثبت نفسه واحدًا من أبرز ممثلي جيله.
في هذا الحوار الخاص، تتحدث حنان عادل بصراحة وحنين عن طفولتها، وكواليس دخولها الفن، وأهم محطات مشوارها، وقرار الاعتزال، ورحلة الأمومة، وكيف اكتشفت موهبة ابنها، كما تكشف رؤيتها لموهبة أحمد، وتروي تفاصيل إنسانية مؤثرة عن الأسرة والفقد والعودة من جديد.
لو بدأنا الحكاية من أول صفحة.. كيف اكتُشفت موهبتك وأنتِ طفلة صغيرة؟
وأنا صغيرة جدًا لم أكن أفكر أن لدي موهبة أصلًا، لا في الغناء ولا في التمثيل. لكن في المدرسة، مدرس الموسيقى طلب من كل الأطفال يرددوا أغنية جماعية، ثم جعل كل طفل يغني منفردًا، وهنا اكتشف أن صوتي مميز. تحدث مع والدي وطلب مشاركتي في حفلة عيد الأم لأغني بمفردي، وكانت تلك أول نقطة تحول.في الحفلة حضر مخرج إذاعي مهم هو الأستاذ محمد عبد السلام شعبان، وطلب مني الحضور إلى مبنى الإذاعة للمشاركة في برنامج.
ذهبنا، لكننا لم نجده، فاقترح العاملون هناك أن أتقدم لمسابقة الأطفال الخاصة بأبلة فضيلة. دخلت إليها، وسألتني إن كنت أقرأ، وكنت وقتها في أولى ابتدائي، فقلت لها لا، فسألتني ماذا أجيد، فقلت لها أغني. غنيت فورًا، ومن يومها بدأت التسجيل معها.
كيف تصفين علاقتك بأبلة فضيلة وبدايتك داخل ماسبيرو؟
أبلة فضيلة كانت نقطة انطلاق حقيقية. سجلت معها في برنامج “غنوة وحدوتة”، وبعدها أصبحت أشارك في تسجيل الأغاني أسبوعيًا، ثم حين تعلمت القراءة بدأت أشارك أيضًا في الحواديت. وجودي المستمر داخل المبنى جعلني أتعرف على مخرجين ومنتجين كثيرين، وبدأت أبواب الفن تُفتح أمامي بسرعة.كنت عمليًا أعيش داخل مبنى الإذاعة والتليفزيون، بين برامج الأطفال، والغناء، والمسلسلات، والتصوير، ولم أكن أعود إلى البيت إلا قليلًا.
ما أبرز الأعمال التي تعتبرينها علامات مهمة في طفولتك الفنية؟
شاركت في أعمال كثيرة أعتز بها، منها فيلم “حدوتة مصرية” مع يوسف شاهين، و”السطوح” مع فريد شوقي وشويكار، و”صاحب الإدارة بواب العمارة” مع نادية الجندي وعادل أدهم، وأعمال أخرى كثيرة.
وفي الدراما شاركت في مسلسلات مثل “عصر الحب”، و”زهراء الأندلس”، والأجزاء الأربعة من “لا إله إلا الله”. كما قدمت لقاءات تلفزيونية مهمة وأنا في سن التاسعة مع أسماء كبيرة مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وكمال الملاخ.
وماذا عن الغناء.. فأنتِ من الأصوات المرتبطة بذاكرة أجيال؟
أعتبر نفسي ابنة أبلة فضيلة وإذاعيًا ابنة الموسيقار عمار الشريعي. قدمت أغاني كثيرة جدًا للأطفال، وكل جيل الثمانينيات والتسعينيات تقريبًا سمع صوتي دون أن يعرف أحيانًا أنني صاحبة الصوت.

من الأغاني التي أحبها “إبريق الشاي”، وشاركت في أصوات الأطفال بأعمال كثيرة مثل “حلوة يا زوبة”، و”البنات البنات”، و”جرس الفسحة”. كما قدمت أشرطة كاسيت للأطفال، وكنت من أوائل الأطفال الذين قدموا هذا الشكل وقتها.
شاركتِ أيضًا في “ضمير أبلة حكمت”.. ماذا تتذكرين من تلك التجربة؟
كانت تجربة مهمة جدًا، وقدمت فيها شخصية “سحر جابر”، وهي فتاة لديها مشاكل في المدرسة، ووالدها يريد تزويجها مبكرًا.
كنت أحب الأدوار التي تحتوي على مساحة تمثيلية ومشاعر وتفاصيل إنسانية، ولذلك أعتبر هذا الدور من المحطات المهمة في مشواري.
كيف تعرفتِ على زوجك الراحل محمد عبد الحميد؟ ولماذا اتخذتِ قرار الاعتزال مبكرًا؟
تعرفت على زوجي أثناء العمل، وتمت خطبتنا وأنا في الثامنة عشرة من عمري. هو لم يطلب مني الاعتزال، بل القرار كان قراري أنا.
كنت أريد أن أكون زوجة وأمًا متفرغة، وكنت مؤمنة أن الأسرة تحتاج تركيزًا كاملًا.كما أنني عشت تجربة انفصال بين والديّ، ولم أكن أريد أن أكرر أي توتر داخل بيتي، لذلك فضّلت أن أترك المجال بإرادتي وأمنح وقتي بالكامل لأولادي أحمد وآية.
كيف كانت حياتك بعيدًا عن الفن بعد سنوات طويلة من الشهرة؟
كانت فترة صعبة جدًا. أنا من سن السادسة حتى الثامنة عشرة كنت أمام الكاميرا باستمرار، وفجأة وجدت نفسي خارج هذا العالم. شعرت بفراغ كبير، وكأن الكاميرا ما زالت أمامي لكنني لا أراها.حاولت أن أعيش أدوار الحياة اليومية بنفس الروح؛ مرة كزوجة، ومرة كأم، لكن الفن ظل بداخلي ولم يغادرني أبدًا.
كيف اكتشفتِ موهبة ابنك الفنان أحمد عبد الحميد؟
لم أكن أخبر أولادي كثيرًا عن ماضيّ الفني. ذات يوم عاد أحمد من المدرسة يغني إحدى أغنياتي للأطفال، فابتسمت وقلت له إن الكلمات تُقال بشكل مختلف، وساعدته في حفظها. بعدها بدأت المدرسة تعرف الحقيقة، ومن هنا عرف أحمد تفاصيل مشواري.
مع الوقت لاحظت أنه يشاهد أعمالًا أكبر من سنه، ويناقشها بذكاء شديد، وكان لديه حس نقدي مدهش. لم أدفعه للفن، لأنني كنت أخشى عليه من عدم استقرار المهنة، لكن حين وجدته مُصرًا على دخول ورش التمثيل، بدأت أسانده.
وكيف كانت عودتك أنتِ إلى المجال من جديد؟
حين رافقت أحمد إلى ورش التمثيل، شعرت أن داخلي شغفًا قديمًا عاد للحياة. قررت دراسة الأمر بشكل احترافي، وسافرت إلى الولايات المتحدة مع ابنتي آية، فدرست هي الماكياج، بينما درست أنا التمثيل.بعد العودة بدأت تقديم ورش للأطفال، لأنني مؤمنة أن الطفل يحتاج خيالًا وفنًا يبعده عن أسر الموبايل والشاشات. كما أسست فرقة استعراضية للأطفال تقدم لوحات غنائية من التراث الفني المصري.
ماذا تقولين عن ابنتك آية؟
أنا فخورة جدًا بها. أصبحت من أبرز المتخصصات في الماكياج والمؤثرات الخاصة، وشاركت في أعمال كبيرة ومهمة مثل “حلاوة الدنيا”، و”كيرة والجن”، و”الفيل الأزرق”، وكذلك فعاليات كبرى مثل افتتاح المتحف المصري.
والدك كان أستاذًا جامعيًا بعيدًا عن الفن.. كيف استقبل نجاحك ثم قرار اعتزالك؟
والدي كان سعيدًا جدًا بنجاحي، وكان يثق في موهبتي ويدعمني بقوة. لكنه صُدم حين قررت الاعتزال، لأنه رأى أنني تركت اسمًا كبيرًا ومشوارًا ناجحًا وأنا في قمة حضوري.غضب مني لفترة طويلة، لكنه تصالح مع الأمر لاحقًا عندما رأى استقراري وأسرتي وأطفالي.
كأم ومدربة تمثيل.. ما أكثر ما يميز أحمد عبد الحميد في رأيك؟
أحمد ممثل مجتهد جدًا، ويذاكر أدواره بكل جوارحه. لا يكتفي بحفظ النص، بل يبحث في حركة الجسد، والنبرة، وطبيعة الشخصية، وقد يراقب حركة الحيوانات ليستلهم منها طريقة مشي أو نظرة أو طاقة داخلية للشخصية.أكثر دور أحببته له مؤخرًا كان في “سوا سوا”، لأنه بذل فيه جهدًا ضخمًا وقدم مشاعر صادقة جدًا وصلت للناس.
وكيف تنظرين إلى رحلته الحالية بعد كل ما مر به إنسانيًا؟
مر بظروف صعبة جدًا وفقدان موجع، لكنه قوي وصاحب موهبة حقيقية. أثق أنه سيعود أقوى، لأن الفنان الحقيقي يحول الألم إلى طاقة وإبداع، وأتمنى له دائمًا النجاح والطمأنينة.
أخيرًا.. ماذا تقول حنان عادل عن نفسها اليوم؟
أقول إنني ممتنة لكل ما مررت به؛ الطفلة التي غنت صدفة، والنجمة التي اعتزلت باختيارها، والأم التي ترى أبناءها ناجحين، والمرأة التي ما زالت تؤمن أن الفن رسالة حقيقية. الحياة أخذت مني أشياء، لكنها أعطتني أشياء أجمل.


















