dhl
dhl

الهندسة الوراثية للأجنة: أطفال بتصميم مسبق.. بين الحلم العلمي والهواجس الأخلاقية

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في العقود الأخيرة، لم يعد الحديث عن تعديل الجينات محصورًا في كتب الخيال العلمي، بل تحوّل إلى واقع علمي تتسارع وتيرته في المختبرات حول العالم. ومع الطفرات التي حققتها تقنيات مثل كريسبر CRISPR في مجال تحرير الجينات، صار السؤال الذي يشغل العقول: هل يمكن أن نتحكم مستقبلًا في صفات أطفالنا قبل ولادتهم؟الفكرة التي تُعرف إعلاميًا بـ”الأطفال المصمّمين” ليست مجرد فرضية، بل احتمال علمي يتبلور يومًا بعد يوم. فمن الناحية النظرية، أصبح بالإمكان التدخل في الأجنة البشرية لتقليل احتمالية إصابتها بالأمراض الوراثية مثل التليف الكيسي أو فقر الدم المنجلي، بل وربما اختيار لون العينين أو الطول أو حتى القدرات الذهنية. هذا التقدّم يفتح آفاقًا رحبة أمام الطب، لكنه في الوقت ذاته يثير عاصفة من الجدل الأخلاقي والديني والاجتماعي.لقد أحدث العالم الصيني خه جيانكوي صدمة كبرى عام 2018 حين أعلن عن ولادة أول طفلتين معدلتين وراثيًا باستخدام تقنية كريسبر، في محاولة لمنحهما مناعة ضد فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز). ورغم إدانة المجتمع العلمي لتجربته واعتبارها غير مسؤولة، إلا أن الحادثة كشفت عن مدى اقتراب البشرية من عتبة مستقبل جديد في الطب الإنجابي.من الناحية العلمية، يرى مؤيدو هذه التقنيات أن الهندسة الوراثية قد تشكّل ثورة في القضاء على الأمراض الموروثة التي عانت منها أجيال متعاقبة. كما يمكن أن تساهم في تحسين جودة الحياة وتخفيف الأعباء الاقتصادية والصحية عن المجتمعات. بل إن بعض العلماء يذهبون إلى القول بأن الأجيال المقبلة قد تعتبر رفض استخدام هذه الأدوات نوعًا من الإهمال الطبي.في السنوات الأخيرة، تصدرت عناوين الصحف العالمية أخبار مشاريع بحثية طموحة. ففي جامعة بورتلاند في بريطانيا، نجح العلماء عام 2017 في تعديل جينات أجنة بشرية تحمل أمراضًا وراثية مميتة، وتم إيقاف نموها بعد أيام لأغراض البحث فقط، لكن النتيجة أظهرت أن التحرير الجيني أصبح أكثر دقة وأمانًا. وفي الولايات المتحدة، أجرى معهد برود (Broad Institute) التابع لهارفارد ومعهد MIT تجارب متقدمة على نماذج حيوانية وأجنة غير قابلة للحياة، في خطوة لاختبار قدرة كريسبر على تصحيح الطفرات الجينية المسببة للأمراض.الأمر لم يتوقف هنا، ففي جامعة أوريغون للصحة والعلوم (OHSU) تمكن فريق بحثي بقيادة العالم شوخرات ميتاليبوف من إصلاح جين مسبب لاعتلال القلب الوراثي في أجنة بشرية، وهي خطوة وُصفت بأنها “إعلان دخول البشرية عصر تعديل الأجنة”. ورغم أن هذه الأجنة لم تُزرع في أرحام ولم تُستكمل كحمل كامل، فإن التجربة وضعت الأساس العلمي لما قد يأتي لاحقًا.أما في أوروبا، فقد بدأت برامج منظمة مثل مشروع “Genomics England” و**”Horizon Europe”** بتمويل أبحاث لاكتشاف حدود الأمان في استخدام تقنيات التعديل الجيني على الأجنة. الهدف الأساسي المعلن هو منع الأمراض المستعصية والوراثية التي تنقل عبر الأجيال، لكن الخشية تبقى من الانزلاق إلى استخدام هذه الأدوات لاختيار السمات الجمالية أو الذهنية.لكن على الجانب الآخر، يرفع المعارضون لافتة التحذير من “العبث بالجينوم البشري”.

فالمخاطر لا تتعلق فقط بالآثار الجانبية غير المتوقعة على صحة الطفل، بل تتجاوز ذلك إلى احتمالية خلق فجوة طبقية جديدة بين من يستطيعون دفع تكلفة “الأطفال المصمّمين” ومن لا يملكون ذلك. كما أن فتح الباب أمام اختيار الصفات الجمالية أو الذهنية قد يحوّل الإنجاب إلى عملية “تصنيع” أكثر منها فعلًا إنسانيًا طبيعيًا.المؤسسات الدينية والحقوقية في العالم لم تقف صامتة أمام هذه الطفرات. ففي حين ترفض غالبية المرجعيات الدينية أي تدخل يهدف إلى تغيير هوية الخلق البشري، هناك من يسمح فقط بالتدخل لعلاج الأمراض المستعصية لا لتحسين الصفات الشكلية. أما على الصعيد القانوني، فلا يزال معظم الدول يفرض قيودًا صارمة على أبحاث تعديل الأجنة البشرية، وإن كانت بعض المراكز البحثية في أمريكا وأوروبا تواصل التجارب في نطاق ضيّق وتحت إشراف دقيق.ورغم الجدل، لا يمكن إنكار أن عجلة العلم تمضي بسرعة لا يمكن كبحها. فإذا كان القرن العشرون قد شهد ثورة المضادات الحيوية وزراعة الأعضاء، فإن القرن الحادي والعشرين قد يُخلَّد كثورة “الهندسة الوراثية”. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل نحن مستعدون للتعامل مع تبعات هذا التقدّم، أم أن البشرية ستدفع ثمن التلاعب بخيوط الحياة نفسها؟إن قضية “الأطفال المصمّمين” ليست مجرد جدل طبي، بل مرآة تعكس صراعًا أوسع بين العلم والأخلاق، بين الطموح البشري وحدود الطبيعة. وربما تكمن الحكمة في أن نستخدم هذه الأدوات بحذر بالغ، بحيث تكون وسيلة للشفاء لا سلاحًا للتلاعب بالإنسانية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.