dhl
dhl

المسلسلات القصيرة (Mini Series): هل تصبح الشكل المفضل للجمهور العربي؟

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في السنوات الأخيرة، تغيّرت خريطة الدراما العالمية بشكل لافت. لم يعد المشاهدون يبحثون عن المسلسلات الطويلة ذات الخمسين حلقة التي كانت تهيمن على الشاشات، بل اتجهت الأنظار نحو المسلسلات القصيرة (Mini Series) التي لا تتجاوز عادةً بين 6 إلى 12 حلقة. هذا التحول لم يبقَ حبيس المنصات الغربية مثل نتفليكس وHBO، بل بدأ يتسلل بقوة إلى المشهد العربي، مثيرًا تساؤلات حول مستقبل الدراما المصرية والعربية: هل ستصبح هذه الصيغة هي المفضلة للجمهور؟تعود جاذبية المسلسلات القصيرة إلى عدة عوامل؛ أولها سرعة الاستهلاك الإعلامي في عصر المنصات الرقمية، حيث يفضّل الجمهور قصصًا مكثفة تُروى في وقت قصير دون إطالة. ثانيها أن هذا الشكل يمنح صُنّاع الدراما فرصة أكبر للتجريب والابتكار، بعيدًا عن قيود الإطالة التي تُفرض غالبًا لإرضاء إعلانات التلفزيون التقليدي. وثالثها أن طبيعة الحياة السريعة للجمهور، خاصة الأجيال الشابة، لا تسمح بمتابعة عشرات الحلقات، لكنها تتفاعل بقوة مع الأعمال المكثفة والمباشرة.في العالم العربي، شهدنا في الأعوام الأخيرة أعمالًا درامية قصيرة لاقت نجاحًا كبيرًا. من بينها مسلسل “في كل أسبوع يوم جمعة” (2020) المكون من 10 حلقات، والذي أثار جدلًا واسعًا بقصته الجريئة. كذلك حقق مسلسل “منعطف خطر” نجاحًا لافتًا بتقديمه دراما بوليسية مكثفة، بينما حظي مسلسل “الغرفة 207” المقتبس من رواية أحمد خالد توفيق بمتابعة واسعة على المنصات، مؤكدًا أن الجمهور العربي مستعد لتقبّل هذا النوع.

ومن الأمثلة اللافتة أيضًا على صعود المسلسلات القصيرة في مصر والعالم العربي، تلك الأعمال التي أحدثت صدى واسعًا على المنصات الرقمية خلال السنوات الأخيرة. فقد أثبت مسلسل “ما وراء الطبيعة” (المقتبس عن سلسلة روايات أحمد خالد توفيق) أن الجمهور المصري متعطش لأعمال مكثفة لا تتجاوز بضع حلقات، لكنه يقدم حبكة مشوقة وإنتاجًا عالي الجودة، وهو ما جعله يتصدر المشاهدات عربيًا ويُدرج ضمن قائمة الأكثر متابعة عالميًا على نتفليكس. كما حقق مسلسل “بالطو” نجاحًا استثنائيًا على منصة واتش إت، حيث جمع بين الكوميديا السوداء والدراما الإنسانية في قالب قصير، وأصبح حديث وسائل التواصل الاجتماعي. في السياق نفسه، جذب مسلسل “كتالوج” على منصة شاهد جمهورًا واسعًا بفضل فكرته المختلفة التي تناولت العلاقات الاجتماعية المعاصرة بلغة بصرية سريعة الإيقاع. أما مسلسل “موعد مع الماضي” فقد أكد من جديد أن العمل الدرامي القصير قادر على المزج بين التشويق والغموض دون إطالة، ليترك بصمة قوية رغم قلة عدد الحلقات. هذه النماذج تشير بوضوح إلى أن الشكل الدرامي الجديد لم يعد استثناءً، بل يتحول تدريجيًا إلى اتجاه راسخ يعيد صياغة علاقة الجمهور بالدراما.حتى في رمضان، الذي كان موسمًا حصريًا للمسلسلات الطويلة، بدأت شركات الإنتاج تخوض تجارب مع أعمال قصيرة تُعرض بالتوازي مع الأعمال التقليدية. فقد قُدم في رمضان 2024 أكثر من 5 مسلسلات قصيرة، بعضها لاقى نسب مشاهدة مرتفعة رغم المنافسة الشرسة مع الإنتاجات الضخمة.من الناحية الاقتصادية، تُعتبر المسلسلات القصيرة خيارًا جذابًا لشركات الإنتاج والمنصات. فهي أقل تكلفة، أسرع في التنفيذ، وتتيح التنوّع في المواضيع. كما أنها تسهّل على المنصات الرقمية جذب مشتركين جدد من خلال طرح أعمال سريعة الاستهلاك تلائم إيقاع المشاهد العصري.لكن في المقابل، لا يخلو الأمر من تحديات. بعض النقاد يرون أن الدراما العربية ما زالت أسيرة “الخلطة التقليدية” التي اعتادها الجمهور في رمضان، وأن التحول الكامل نحو الميني سيريز يحتاج إلى وقت حتى يترسّخ. كما أن بعض الأعمال القصيرة وقعت في فخ الإيقاع السريع المفرط الذي أضرّ بالحبكة وأفقدها العمق الدرامي.يبقى السؤال الأهم: هل يغيّر هذا الشكل من طبيعة القضايا التي تُطرح؟ الواقع يقول نعم. فالمسلسلات القصيرة غالبًا ما تذهب إلى موضوعات جريئة أو تجريبية لا تستطيع الأعمال الطويلة التطرق إليها خوفًا من الرقابة أو ضغط السوق. وهذا ما يجعلها مساحة حرة لتجديد الدراما العربية، وربما وسيلة لإعادة جذب المشاهدين الذين هجروا الإنتاج التقليدي إلى الدراما التركية أو الكورية. المسلسلات القصيرة ليست مجرد “موضة” عابرة، بل تعبير عن تحوّل في ثقافة المشاهدة نفسها. وإذا ما أحسن صناع الدراما استغلالها، فقد تكون مفتاحًا لعصر جديد من الدراما العربية، أكثر جرأة، وأكثر تنوعًا، وأكثر قدرة على المنافسة عالميًا.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.