dhl
dhl

جيناتك هي وصفتك الطبية: ثورة تغير وجه الدواء في العالم

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم يعد الطب الحديث يكتفي بوصف دواء واحد لعشرات المرضى، بل بات يسعى إلى وصف علاج لكل مريض بحسب جيناته الخاصة. هذا التوجّه، المعروف باسم الطب الشخصي (Personalized Medicine) أو الأدوية المخصّصة بالحمض النووي، يمثل واحدة من أعظم التحولات في تاريخ العلوم الطبية. الفكرة ببساطة أن الحمض النووي (DNA) لكل إنسان يحمل بصمة فريدة تحدد استجابته للأدوية، ومقاومته أو قابليته للإصابة بالأمراض، وبالتالي فإن قراءة هذه الخريطة الجينية تمنح الأطباء فرصة لتصميم العلاج “على مقاس” المريض.البداية كانت مع أبحاث السرطان في مطلع الألفية، حين اكتشف العلماء أن مرضى السرطان لا يتجاوبون جميعًا مع نفس الدواء الكيميائي أو المناعي، وأن الطفرات الجينية داخل الورم هي التي تحدد الاستجابة. ومن هنا جاء تطوير أدوية تستهدف طفرات محددة، مثل أدوية سرطان الثدي المرتبطة بجين HER2، أو سرطان الدم المرتبط بطفرات BCR-ABL. هذه الأدوية لم ترفع فقط نسب الشفاء، بل قلّلت من الآثار الجانبية لأنها لا تُعطى إلا للمرضى الذين ستفيدهم فعلاً.لكن الثورة لم تتوقف عند السرطان؛ ففي أمراض القلب مثلًا، أظهرت دراسات أن استجابة المريض لعقاقير الوارفارين (مضاد تجلّط) ترتبط بجيناته، مما دفع الأطباء في مراكز عالمية إلى إجراء اختبارات جينية قبل وصف الدواء، لتحديد الجرعة المثالية وتجنّب المضاعفات. وفي الطب النفسي، بدأت شركات دوائية تعتمد على التحليل الجيني لتوقّع استجابة المرضى لمضادات الاكتئاب، وهو ما كان في الماضي يخضع لعملية “تجربة وخطأ” طويلة قد تُرهق المريض.

التقنية الأساسية وراء هذه الثورة هي تسلسل الجينوم (Genome Sequencing)، الذي أصبح اليوم أسرع وأرخص من أي وقت مضى. بعد أن كانت كلفة قراءة الجينوم البشري الواحد تصل إلى 3 مليارات دولار عام 2003، باتت اليوم لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات فقط. هذا الانخفاض المذهل في التكلفة جعل فكرة “الفحص الجيني قبل العلاج” ممكنة في مراكز طبية كبرى من أميركا وأوروبا وصولاً إلى آسيا.أما على المستوى الصناعي، فقد دخلت شركات دواء عالمية كبرى مثل نوفارتيس، فايزر، وروش سباق تطوير أدوية جينية مخصّصة، بل وأطلقت شركات ناشئة ما يُعرف بالـ Digital Therapeutics التي تمزج بين تحليل البيانات الجينية والذكاء الاصطناعي لتقديم علاج فردي. الصين أيضًا خصصت مليارات الدولارات لمشاريع “الطب المخصّص” باعتباره ساحة المنافسة القادمة في سوق الدواء العالمي.ومصر لم تكن بعيدة عن هذا التوجه. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت الجامعات المصرية – مثل جامعة القاهرة وعين شمس – بحوثًا متقدمة في مجال الطب الجيني، خاصة في تشخيص السرطان وأمراض الدم الوراثية، كما أن مبادرة “100 مليون صحة” لاقت صدى عالميًا حين ارتبطت بتحليلات بيولوجية ضخمة يمكن أن تُستخدم يومًا في رسم خريطة صحية جينية للشعب المصري، تكون قاعدة لانطلاق الطب الشخصي محليًا.ومع كل هذه الطموحات، تظل هناك تحديات هائلة. أولها العدالة الصحية: هل ستبقى هذه الأدوية حكرًا على الأغنياء في الدول المتقدمة؟ ثانيها الأخلاقيات: هل يمكن أن تُستخدم البيانات الجينية في التمييز الوظيفي أو التأميني؟ وثالثها الخصوصية: من يملك حق الاطلاع على الشيفرة الجينية للفرد؟في النهاية، يمكن القول إن الطب المخصّص بالجينات ليس مجرد تقنية طبية جديدة، بل ثورة معرفية ستغيّر علاقة الإنسان بالعلاج، وتجعل المرضى شركاء في صياغة مستقبلهم الصحي. فبينما كان العلاج في الماضي عامًا للجميع، أصبح اليوم “شخصيًا”، وغدًا قد يصل إلى مرحلة يكون فيها لكل إنسان “دواؤه الخاص”، كأن الطب يتحول من وصفة عامة إلى قصيدة فردية تُكتب على إيقاع الجينات.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.