القاهرة -أميرة المُحمَّدي:
لم تعد الرياضة في القرن الحادي والعشرين مجرد مواجهة بدنية بين لاعبين على أرض الملعب، بل تحوّلت إلى معادلة معقدة تجمع بين الجهد البشري وذكاء الخوارزميات. فالتكنولوجيا التي غزت كل مجالات حياتنا اليومية وجدت طريقها بقوة إلى عالم الرياضة، لتجعل من “البيانات” اللاعب الخفي الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح الفوز والهزيمة. اليوم، لا يمكن لأي نادٍ محترف أن يخوض منافساته دون جيش من محللي الأداء وخبراء الإحصاء، يدرسون كل حركة، وكل تمريرة، وكل نبضة قلب للاعب.من كرة القدم إلى كرة السلة والتنس، باتت التحليلات الرياضية ركيزة أساسية في اتخاذ القرار الفني. في كرة القدم مثلًا، يُنظر إلى نجاح فرق مثل مانشستر سيتي أو ليفربول كدليل حي على أهمية الاعتماد على “العين الرقمية”، حيث يستخدم المدربون برامج متقدمة لرصد مسافات الجري، نسب الاستحواذ، دقة التمرير، وحتى احتمالية نجاح تسديدة معينة من موقع محدد داخل الملعب. لم يعد الأمر مقتصرًا على خبرة المدرب أو حدس اللاعبين، بل أصبح العلم شريكًا مباشرًا في صناعة النتيجة.وفي رياضات أخرى ككرة السلة الأمريكية (NBA)، وصل الاعتماد على البيانات إلى مستوى غير مسبوق. فالأندية باتت تستعين بكاميرات ثلاثية الأبعاد وأنظمة تتبع متطورة تسجل آلاف النقاط البيانية في المباراة الواحدة، ليعاد تحليلها لاحقًا في نماذج تتنبأ بالأداء المستقبلي للاعبين، وتساعد على تقليل الإصابات عبر مراقبة الإجهاد العضلي وأنماط الحركة.
حتى التنس لم يعد بعيدًا عن هذا العالم؛ إذ تُستخدم برامج الذكاء الاصطناعي لتحليل ضربات الإرسال وردود الأفعال، وتقديم توصيات تكتيكية فورية للاعبين.أما في مصر والعالم العربي، فقد بدأت بعض الأندية الكبرى مثل الأهلي والزمالك في الاستعانة بفرق تحليل الأداء، خاصة في البطولات الأفريقية والدولية. كما أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد فرض أنظمة تحليل رسمية في بطولات كأس العالم، مما يفتح المجال أمام تعميم التجربة محليًا، رغم التحديات المتعلقة بالإمكانيات المالية والتقنية.إلى جانب الأندية والمدربين، تقف وراء ثورة البيانات الرياضية شركات عالمية متخصصة، تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعبين أساسيين في سوق الرياضة الدولية. من أبرز هذه الشركات Catapult Sports الأسترالية، التي توفر أجهزة استشعار تُرتدى على أجساد اللاعبين وتقيس بدقة معدلات الجري، السرعة، القوة، والإجهاد العضلي، وتُستخدم حاليًا في أكثر من 300 فريق حول العالم. كذلك تبرز شركة Stats Perform الأمريكية، التي تجمع مليارات النقاط البيانية من مختلف الدوريات، وتقدم تحليلات متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لتساعد الأندية على استكشاف المواهب واتخاذ قرارات التعاقد. وهناك أيضًا شركات ناشئة بدأت تدخل هذا المجال في أوروبا وآسيا، مستفيدة من تزايد الطلب على “البيانات الرياضية” كجزء من صناعة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات سنويًا.أما في المنطقة العربية، فقد بدأت بعض الأندية الاستثمار في هذه الأدوات ولو بشكل محدود. فقد ظهر استخدام أجهزة التتبع في معسكرات منتخب مصر لكرة القدم مؤخرًا، كما أعلنت بعض الأندية الخليجية عن شراكات مع شركات تحليل بيانات عالمية، إدراكًا لأهمية هذه التقنيات في رفع المستوى التنافسي. ورغم أن الموارد المالية والتكنولوجية لا تزال عائقًا أمام تعميم التجربة في أندية الدرجة الثانية أو الأندية الشعبية، فإن المؤشرات كلها تؤكد أن “ثورة البيانات الرياضية” ستصل تباعًا إلى المنطقة، كما وصلت إلى غيرها من أنحاء العالم.ولعل التحليل الأكثر إثارة للجدل هو ما يسمى بـ “النمذجة التنبؤية”، أي استخدام البيانات للتوقع بنتائج المباريات أو مستوى اللاعبين في المستقبل. بعض النقاد يرون أن هذا النوع من التحليل يحوّل الرياضة إلى عملية حسابية باردة، ويقتل عنصر المفاجأة الذي يعد جزءًا من جمال اللعبة. بينما يرى آخرون أنه يمثل تطورًا طبيعيًا، حيث يمنح المدرب أفضلية في التخطيط وإدارة المباراة.لكن، على الرغم من كل هذه المكاسب، يظل السؤال قائمًا: هل يمكن للبيانات أن تحل محل الإبداع البشري؟ هل تستطيع الأرقام أن تعوض لحظة إلهام لاعب مثل ميسي، أو جرأة تسديدة غير متوقعة تغير مجرى المباراة؟ ربما تكمن الإجابة في أن البيانات لا تسلب الرياضة روحها، بل تمنحها أدوات جديدة لصقلها وتطويرها. فالرياضة في النهاية هي مسرح الإنسان، لكن المسرح صار مزودًا اليوم بكشافات ذكية ترى ما لا تراه العين المجردة.وهكذا، يقف المشهد الرياضي عند مفترق طرق بين “العاطفة والإحصاء”، بين “الموهبة والخوارزمية”. والمستقبل يبدو مزيجًا من الاثنين، حيث سيظل اللاعبون الأبطال في الواجهة، لكن خلفهم ستقف شاشات وأجهزة حاسوب ترسم حدود الممكن وتفتح آفاقًا جديدة للعب والفوز.





