القاهرة – نهاد شعبان:
مع قرب افتتاح المتحف المصري الكبير أصبح هذا الصرح الأثري والثقافي محط أنظار العالم، حيث أنه من المتوقع أن يتم خلال الافتتاح تقديم عرض غير مسبوق لكنوز الفراعنة، يكشف أسرارا لم تروى من قبل عن حياة المصريين القدماء ومعتقداتهم، فالمتحف المصري الكبير هو الأكبر من نوعه عالميا، حيث يمتد على مساحة نصف مليون متر مربع، بتكلفة قاربت المليار دولار، ويضم المتحف أكثر من مائة ألف قطعة أثرية تغطي مختلف عصور الحضارة المصرية، من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر اليوناني الروماني، وترجع مكانته في كونه مخصصا بالكامل لحضارة واحدة، ما يمنح الزائر تجربة غامرة وشاملة لفهم التاريخ المصري القديم.
من جانبه أوضح الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن:” المتحف المصري الكبير ليس مجرد مكان للعرض، بل رسالة حضارية تظهر للعالم عظمة المصريين القدماء”، مضيفا:” لقد بذلنا جهودا جبارة كي يرى العالم هذه الكنوز في أفضل صورة”، ومن أبرز ما يقدمه المتحف قاعة مخصصة بالكامل لكنوز الملك توت عنخ آمون، التي يبلغ عددها أكثر من 5000 قطعة، تعرض مجتمعة لأول مرة منذ اكتشاف المقبرة الشهيرة عام 1922، هذه القاعة الذهبية ستأخذ الزوار في رحلة بصرية وسردية تكشف تفاصيل دقيقة عن حياة الملك الطفل، بدءا من عرشه الذهبي وأوانيه الكانوبية، وصولا إلى حليه وملابسه، حيث تعرض هذه الكنوز في سياق علمي يوضح المعتقدات الجنائزية والرمزية الدينية وراء كل قطعة، ما يجعل المشاهِد أقرب إلى فهم فلسفة المصري القديم في الحياة والموت.كما أوضحت الدكتورة مونيكا حنا، عالمة المصريات أن:” قاعة توت عنخ آمون ستحدث ثورة في فهمنا لعصر الدولة الحديثة، فهي لا تعرض الذهب فحسب، بل تقدم رواية متكاملة عن حياة الملك والطقوس التي أحاطت بموته”، بالإضاف إلى أن واحدة من المفاجآت الكبرى التي يحتضنها المتحف هي مراكب الشمس، التي اكتشفت بجوار الهرم الأكبر، وقد نقلت إحدى هذه المراكب العملاقة، التي يزيد طولها عن 43 مترا، إلى المتحف بعد عملية هندسية معقدة وموثقة اعتبرت من أضخم عمليات النقل الأثري في القرن الحادي والعشرين.وأشار المهندس عاطف الديب، أحد المشاركين في عملية النقل إلى أن:” نقل مركب الشمس كان تحديا هندسيا استثنائيا، حيث استخدمنا تقنيات حديثة تضمن الحفاظ على القطعة كما هي، ليتمكن العالم من مشاهدتها بعد آلاف السنين”، مضيفا أن:” هذه المراكب ليست مجرد وسيلة تنقل، بل تجسيد لفكرة دينية عميقة لدى المصريين القدماء، حيث اعتقد أنها ترافق الملك في رحلته إلى العالم الآخر مع إله الشمس رع”، ولا يقتصر المتحف على عرض القطع الأثرية في فاترينات زجاجية، بل يروي من خلال أسلوب عرض متطور حكايات عن المعتقدات والطقوس الجنائزية والتحنيط، وستجد نماذج كاملة لغرف دفن، وأواني لحفظ الأعضاء، وتماثيل “الأوشابتي” الصغيرة التي كانت تدفن مع الملوك لخدمتهم في العالم الآخر.كما يواكب المتحف المصري الكبير أحدث أساليب العرض المتحفي، إذ يعتمد على تقنيات الواقع المعزز والشاشات التفاعلية، بما يتيح للزائر أن يعيش تجربة أقرب إلى رحلة زمنية، كما أنه من المتوقع أن تقدم العروض المرئية والإضاءات الذكية قصصا سردية عن كل قطعة، وفي هذا السياق، يوضح الدكتور طارق توفيق، المشرف العام السابق على المتحف أن:” التكنولوجيا هنا ليست ترفا، بل أداة للتواصل مع الجمهور، خاصة الأجيال الجديدة”، مضيفا:” نحن نعيد إحياء التاريخ بوسائل تناسب القرن الحادي والعشرين”.




