القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في زمن صار الهاتف الذكي فيه نافذة الإنسان الأولى على العالم، لم يعد التعارف والزواج حكرًا على اللقاءات التقليدية أو الصدف الاجتماعية. بل أخذت وسائل التواصل الاجتماعي – من فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، إلى تطبيقات المواعدة المتخصصة – دورًا متعاظمًا في تشكيل العلاقات الإنسانية. آلاف القصص تُروى يوميًا عن أشخاص جمعهم “لايك” عابر، أو محادثة قصيرة، لتتطور تدريجيًا إلى زواج. لكن السؤال الملح يظل حاضرًا: هل هذه العلاقات الافتراضية قادرة على الصمود أمام اختبارات الواقع؟البداية تبدو دائمًا ساحرة، حيث يتيح الفضاء الرقمي للناس أن يظهروا أفضل نسخة من أنفسهم، يختارون صورهم بعناية، ويكتبون كلماتهم بحذر، ويصيغون صورتهم الذهنية كما يشاؤون. فيبدو الطرف الآخر كما لو كان “شخص الأحلام”. لكن حين تذوب الحواجز الرقمية ويواجه الطرفان تفاصيل الحياة اليومية من ضغوط مالية، ومسؤوليات أسرية، واختلافات في الطباع، تبدأ الصورة المرسومة عبر الشاشة في التصدّع. هنا يظهر الفارق بين العلاقة التي نُسجت في الخيال الرقمي، والعلاقة التي تُختبر على أرض الواقع.علم النفس بدوره يلقي الضوء على هذه الظاهرة. بعض الدراسات تؤكد أن العلاقات التي تبدأ عبر الإنترنت قد تنجح مثلها مثل العلاقات التقليدية إذا استندت إلى صدق وتواصل عميق. في المقابل، تحذر أبحاث أخرى من ما يُعرف بـ”وهم الألفة الرقمية”، حيث يظن الطرفان أنهما يعرفان بعضهما جيدًا لمجرد تبادل الرسائل اليومية، بينما الحقيقة أن التعارف الواقعي يحتاج إلى مواقف مشتركة تكشف الشخصية بأبعادها الحقيقية.المجتمع العربي تحديدًا يقف في مفترق طرق مع هذه الظاهرة. فبينما يزداد عدد الزيجات التي انطلقت من فضاءات الإنترنت، ما زالت هناك نظرة اجتماعية متوجسة، تعتبر الزواج عبر “السوشيال ميديا” مغامرة محفوفة بالمخاطر. كثير من الأسر تشكك في جدية هذا النوع من العلاقات، وترى أن غياب الرقابة أو الوسطاء (كالعائلة والأصدقاء) يزيد من احتمالات الخداع أو فشل الزواج. ومع ذلك، بدأت بعض القصص الناجحة تكسر هذه القوالب، خصوصًا مع شباب الجيل الجديد الذين تربوا على ثقافة الإنترنت ويرونها وسيلة طبيعية للتعارف.لا يمكن تجاهل أن زواج السوشيال ميديا في العالم العربي يرتبط أيضًا بالتحولات الاقتصادية. فمع ارتفاع تكاليف الزواج وتراجع فرص العمل، صار بعض الشباب يرى في المنصات الرقمية وسيلة لتوسيع دائرة الاختيارات والبحث عن شريك حياة يتوافق معه في الطموحات أو ظروف الحياة. لكن ذلك يفتح الباب أمام إشكاليات اجتماعية، مثل التفاوت في المستوى الاقتصادي بين الطرفين، أو الخلاف حول مكان الإقامة، خاصة إذا كان أحدهما يعيش خارج بلده. هنا تصبح التكنولوجيا بوابة للتعارف، لكنها تضع على العلاقة تحديات أصعب من الزيجات التقليدية.في مصر مثلًا، ظهرت على منصات التواصل قصص كثيرة لأزواج نجحوا في تكوين حياة مستقرة بعد أن جمعهم الإنترنت، مثل قصص زواج بدأت بتعليق على صورة أو مشاركة في مجموعة “فيسبوك” تعليمية أو ترفيهية.
في المقابل، تحفل صفحات الجرائد بقصص أخرى مأساوية عن زواج انتهى بالانفصال بعد شهور قليلة، بسبب انكشاف تناقضات لم تكن ظاهرة عبر الشاشة. في الخليج، تتزايد حالات الزواج العابر للحدود بفضل السوشيال ميديا، حيث تتزوج شابة من الإمارات شابًا من المغرب أو العكس، لكن هذه الحالات تصطدم أحيانًا بالفوارق الثقافية والقانونية.على الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل الجانب الاقتصادي والثقافي. ففي عالم تضيق فيه فرص التعارف الواقعي بسبب ضغوط العمل والدراسة والهجرة، تفتح منصات التواصل فضاءً أوسع للقاء عابر للقارات. قد يجد شاب في القاهرة شريكة حياته في كازابلانكا أو الرياض أو حتى في الجالية العربية في أوروبا، وهو ما كان شبه مستحيل قبل عقدين فقط. هذا البُعد العابر للحدود قد يجعل من الزواج عبر السوشيال ميديا ظاهرة مرشحة للتوسع أكثر فأكثر.ومع ذلك، تظل التحديات قائمة: كيف يمكن بناء ثقة حقيقية في علاقة وُلدت خلف الشاشات؟ كيف نضمن أن الحب الذي اشتعل عبر الرسائل والصور قادر على مواجهة ضغوط الحياة الواقعية؟ وهل تستطيع الأسرة العربية، بكل ما تحمله من قيم وتقاليد، أن تتكيف مع شكل جديد من أشكال الارتباط لا يخضع لقواعدها المعتادة؟في النهاية، يبدو أن “زواج السوشيال ميديا” ليس مجرد موضة عابرة، بل هو انعكاس عميق لتحولات عصر بأكمله. عصر جعل التكنولوجيا وسيطًا أساسيًا في الحب والعمل والتعليم وحتى الدين. قد تنجح بعض هذه الزيجات وتفشل أخرى، كما هو الحال في العلاقات التقليدية، لكن المؤكد أن السؤال نفسه – هل يستطيع الحب أن يعيش خارج الشاشات؟ – سيظل واحدًا من أكثر الأسئلة إثارة في حياتنا الحديثة. وربما يكشف المستقبل أن ما يبدأ بلمسة إصبع على الشاشة قد يمتد ليمتد لعمر بأكمله، أو ينطفئ بمجرد أن تنطفئ شاشة الهاتف.




