القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
حين نتأمل جغرافيا العالم العربي، نجد أن أكبر ما يميزها هو المساحات الشاسعة من الصحارى الممتدة من المحيط إلى الخليج، حيث يخيّل للمرء أن هذه المساحات القاحلة لا تصلح إلا لقصص الأساطير أو لرحلات العابرين. لكن المفارقة الكبرى أن ما كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره “عبئًا مناخيًا” أصبح اليوم “كنزًا استراتيجيًا” لا يقدَّر بثمن. فالصحراء العربية تملك واحدة من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي على سطح الأرض، إذ تسطع الشمس فيها أكثر من 300 يومًا في العام، بما يفوق متوسط أوروبا بأضعاف. هذا المورد الطبيعي الهائل يجعل المنطقة مرشحة لأن تتحول بالفعل إلى “بطارية الكوكب”، تمدّ العالم بطاقة نظيفة خضراء في زمن يبحث فيه الجميع عن بدائل للبترول والفحم والغاز.لقد تغيّرت معادلة الطاقة العالمية جذريًا. فإذا كان النفط قد شكّل عصب الاقتصاد والسياسة العربية منذ القرن العشرين، فإن القرن الحادي والعشرين يفرض قواعد جديدة، عنوانها الحياد الكربوني ووقف الانبعاثات. الاتحاد الأوروبي وضع خطته لخفض الانبعاثات إلى الصفر بحلول 2050، والصين والولايات المتحدة تخوضان سباقًا محمومًا نحو مصادر بديلة. في هذا السياق، وجدت المنطقة العربية نفسها أمام خيار مصيري: إما أن تتمسك بموردها التقليدي الذي يتراجع دوره تدريجيًا، أو أن تستثمر في الشمس التي لا تنضب، وتحوّل موقعها الصحراوي إلى ورقة رابحة في لعبة الطاقة العالمية.من أبرز النماذج الرائدة مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان بمصر، الذي يُعد من أضخم محطات الطاقة الشمسية على مستوى العالم بقدرة تفوق 1.8 جيجاوات. المشروع لم يكن مجرد بنية تحتية، بل مدرسة عملية لكيفية جذب استثمارات أجنبية مباشرة، وتوظيف آلاف الشباب، وتوطين التكنولوجيا الحديثة. نجاح بنبان وضع مصر في مصاف الدول الجاذبة للاستثمار في الطاقة المتجددة، وفتح لها الباب لتصدير الكهرباء النظيفة إلى السودان وأوروبا مستقبلًا عبر شبكات الربط الكهربائي.في السعودية، أخذت الطموحات بُعدًا أكبر ضمن رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. مشروع “سكاكا” كان البداية، لكن الأضخم قادم في “نيوم”، المدينة الذكية المستقبلية التي تعِد بتوليد كامل طاقتها من مصادر متجددة، وعلى رأسها الشمس.
والأكثر طموحًا هو الاستثمار في الهيدروجين الأخضر، حيث تسعى المملكة لتصدير وقود المستقبل إلى أوروبا وآسيا، مستفيدة من الشمس الصحراوية لتشغيل محطات التحليل الكهربائي للماء.أما الإمارات فقد وضعت بصمتها بقوة من خلال مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، الذي سيولد 5 جيجاوات بحلول 2030. المجمع يعتمد على أحدث تقنيات الطاقة الشمسية المركّزة (CSP)، حيث تُخزَّن الطاقة الحرارية وتُستخدم ليلًا، مما يحل إحدى أبرز معضلات الطاقة الشمسية وهي غياب الشمس بعد الغروب. بهذا، تصبح الإمارات مختبرًا عالميًا للتقنيات المستقبلية، وواجهة لتصدير النموذج العربي في استغلال الطاقة المتجددة.لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى العالم خارج المنطقة. أوروبا مثلًا تعاني من قلة أشعة الشمس في الشتاء، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي والبدائل المكلفة. لذلك طُرحت مشروعات ضخمة للربط الكهربائي بين شمال أفريقيا وأوروبا، مثل مشروع ديزرتك (Desertec) الذي كان يهدف لاستغلال شمس الصحراء الكبرى لتوليد كهرباء تكفي لتغطية ربع احتياجات أوروبا. ورغم تعثر المشروع في بداياته بسبب عوامل سياسية واقتصادية، فإن الفكرة ما زالت حيّة، خصوصًا مع تصاعد أزمة المناخ.المغرب أيضًا دخل السباق من خلال محطة نور ورزازات للطاقة الشمسية، إحدى أكبر محطات الطاقة الشمسية المركّزة في العالم، والتي تضع المملكة على خريطة الدول المصدّرة للكهرباء الخضراء إلى إسبانيا وأوروبا. الجزائر وتونس بدورهما تمتلكان إمكانات مشابهة، لكن تبقى التحديات السياسية والاستثمارية عقبة أمام الانطلاق بقوة.التحدي الأكبر في كل هذه المشاريع يتمثل في التخزين والنقل. الطاقة الشمسية وفيرة في النهار، لكن الطلب على الكهرباء مستمر على مدار الساعة. هنا يأتي دور البطاريات العملاقة، وتقنيات تحويل الكهرباء إلى هيدروجين أخضر قابل للشحن والتصدير. بالفعل، وقّعت دول عربية اتفاقيات مع ألمانيا واليابان لاستخدام هذه التكنولوجيا. فإذا نجحت، فإن الصحراء العربية لن تمد نفسها فقط بالطاقة، بل ستصبح مصدرًا أساسيًا لأوروبا وآسيا الباحثتين عن حلول نظيفة.اقتصاديًا، الحديث عن “بطارية العالم” ليس خيالًا. وكالة الطاقة الدولية أشارت إلى أن استغلال أقل من 1% من مساحة الصحراء الكبرى يمكن أن يمدّ العالم بأسره بالكهرباء. هذا الرقم وحده كفيل بأن يوضح حجم الفرصة. وإذا ما استثمرت الحكومات العربية بحكمة في التعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية، فإنها قد تنقل اقتصادها من الاعتماد على النفط المتقلب إلى مورد مستدام ومستقبلي.لكن ثمة أسئلة ملحّة: هل لدى المنطقة القدرة السياسية على التعاون لإطلاق مشروع عربي مشترك للطاقة الشمسية بدلًا من التنافس الفردي؟ هل ستُحل مشكلات البيئة المرتبطة بإنشاء الألواح الشمسية مثل استهلاك المياه للتنظيف والتأثير على الحياة البرية؟ وهل سيقبل المواطن العربي رؤية اقتصاده وثقافته يتحوّل من “هوية نفطية” إلى “هوية شمسية”؟في النهاية، قد تكون الصحراء العربية أمام لحظة تاريخية فاصلة. إما أن تستمر في لعب دور التابع في سوق الطاقة العالمية، أو أن تتحول إلى القلب النابض للطاقة النظيفة، لتضيء مدن العالم من رمالها القاحلة. الشمس التي لطالما أرهقت الإنسان بحرارتها، قد تكون مفتاحًا لإنقاذه من تغيّر المناخ. وهنا فقط تتحقق المعادلة العجيبة: من قلب القسوة تولد الحياة، ومن الصحراء القاحلة ينبثق مستقبل أخضر للبشرية كلها.



