dhl
dhl

قصر البارون بين الحقيقة والأساطير المرعبة

القاهرة – نهاد شعبان:

يظل قصر البارون إمبان أحد أبرز المعالم المثيرة للجدل في القاهرة، ليس فقط بسبب تصميمه المعماري الفريد، بل لأنه ارتبط في الذاكرة الشعبية بعشرات الحكايات والأساطير التي جعلته رمزا للرعب والغموض، ويقع القصر في قلب حي مصر الجديدة، ذلك الحي الذي أسسه المليونير البلجيكي البارون إدوارد إمبان مطلع القرن العشرين، والذي جلب إلى مصر معه أحلامه ومشروعاته وأيضا هذا القصر المهيب الذي تحول مع مرور الزمن إلى رمز للقصص الشعبية، فالقصر من الناحية التاريخية تحفة معمارية نادرة، حيث صممه المعماري الفرنسي ألكساندر مارسيل عام 1911، متأثرا بالطراز الهندوسي والبوذي، ويتميز القصر ببرج دوار كان يدور بالفعل في السابق ليوفر إطلالة على أحياء القاهرة طوال ساعات النهار، وهو ما أضاف لمسة غرائبية إلى البناء، وشيد القصر من الخرسانة المسلحة المزخرفة، وهو أمر غير مألوف وقتها، مما جعله يبدو وكأنه قطعة أسطورية قادمة من الهند أو كمشهد مقتطع من إحدى الحكايات الشرقية.

لكن بعد رحيل البارون عام 1929 ظهرت حول القصر الشائعات، فالناس الذين كانوا يمرون بجواره في الليل قالوا إنهم شاهدوا أضواء غامضة تضيء من نوافذه رغم أنه كان مغلقا، وبعضهم أقسم أنهم سمعوا أصوات صراخ ونحيب قادمة من داخله، هذه الروايات انتشرت في الخمسينيات والستينيات، وتحولت إلى جزء من ذاكرة القاهرة، حيث صار القصر مرادفا للرعب والغموض، ومن بين إحدى أكثر القصص شيوعا أن القصر شهد مقتل شقيقة البارون، التي قيل إنها سقطت من شرفة القصر بعد مشادة معه، وظل جسدها في مكانه أياما قبل أن يكتشف، ومن هنا نسج الناس أسطورة أن روحها ما زالت تجوب أرجاء القصر وتصدر الصرخات في الليل، وهناك أيضا من تحدثوا عن خادمات اختفين في ظروف غامضة، وعن أصوات موسيقى كلاسيكية تسمع في الساعات المتأخرة من الليل، وكأن القصر لا يريد أن ينسى ساكنيه الأوائل.تلك الحكايات تضخمت مع مرور الزمن، حتى صار القصر مكانا مفضلا لعشاق قصص الأشباح، بل إن البعض اعتبره بيت الرعب الحقيقي في القاهرة، فالشباب في التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة اعتادوا التسلل إلى داخله خلسة لاختبار شجاعتهم، وخرج كثيرون منهم يروون تجارب غريبة، منها شعورهم ببرودة مفاجئة أو سماع خطوات وهم وحدهم في المكان، وانتشرت في الصحف وقتها أخبار عن ممارسات غامضة كان يقوم بها بعض الشباب داخل القصر، زادت من سمعة المكان كمنزل ملعون، لكن على الجانب الآخر، يؤكد المؤرخون والباحثون أن معظم هذه القصص مجرد خيال شعبي، مؤكدين أن القصر لم يسكنه أشباح ولم يشهد جرائم موثقة، وكل ما حدث أن القصر ترك مهجورا لفترة طويلة، فأصبح مسرحا مثاليا لخيالات الناس، كما أن حالة الإهمال التي أصابته، مع جدرانه المتشققة ودهاليزه المظلمة، ساعدت على تغذية هذا الخيال الجمعي، خصوصا في مجتمع يهوى الحكايات الغامضة.ومن جانبها في خلال السنوات الأخيرة تحركت الدولة لترميم القصر وإعادته إلى الحياة، بعد عملية ترميم ضخمة استمرت سنوات، أعيد افتتاحه عام 2020 كمزار سياحي ومتحف يوثق تاريخ مصر الجديدة والبارون إمبان نفسه، وبذلك انتقل القصر من خانة بيت الأشباح إلى تحفة معمارية وتاريخية، وإن لم يمنع ذلك استمرار الأساطير المرتبطة به في أحاديث الناس، فلا يزال الزائرون يتبادلون القصص المرعبة عند الوقوف أمام برجه الدوار، ولا يزال البعض يتهامسون بأن روح شقيقة البارون ترفض مغادرة القصر مهما تغيرت أحواله.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.