القاهرة – نهاد شعبان:
عندما نتذكر تاريخ المرأة المصرية في النضال الوطني والسياسي، لا يمكن أن نتجاوز اسم راوية عطية، والتي تمثل نموذج فريد جمع بين البطولة العسكرية والعمل السياسي والتضحية الأسرية، حيث اشتهرت بأنها أول ضابطة في القوات المسلحة المصرية وأول نائبة تدخل مجلس الأمة أو كما يطلق عليه الأن البرلمان، كما لقبت بأم الشهداء بعدما قدمت ابنها فداء للوطن في معركة الكرامة، ومما لا يعرفه الكثيرون أنها ولدت لأسرة وطنية، فوالدها كان من المشاركين في ثورة 1919، ونشأت في بيئة مشبعة بحب الوطن والغيرة على قضاياه، وهذا الجو دفعها منذ صغرها للاهتمام بالشأن العام، فلم تكن مجرد فتاة تبحث عن دور تقليدي، بل آمنت بأن للمرأة المصرية رسالة تتجاوز البيت إلى ميادين العلم والعمل والنضال.
حصلت راوية على ليسانس الآداب قسم الفلسفة وعلم النفس من جامعة القاهرة، ثم واصلت دراستها لتحصل على دبلوم في التربية وعلم النفس، ومع بداية حياتها العملية عملت بالتدريس، لكنها اتجهت إلى النشاط الوطني والسياسي، خصوصا بعد قيام ثورة يوليو 1952 التي فتحت أبوابا جديدة لمشاركة المرأة في الحياة العامة، ومع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أطلقت القيادة المصرية دعوة عامة للمقاومة الشعبية، ولبت راوية النداء، فانضمت إلى المقاومة النسائية وأسست فرقا لتدريب الفتيات والسيدات على الإسعافات الأولية والدفاع المدني، بل وأشرفت بنفسها على تدريب أكثر من 2000 فتاة في الجيزة، ولم تكتفي بالتدريب فقط، بل حملت السلاح وخاضت معارك فعلية ضد المعتدين، حتى أُطلق عليها لقب الضابطة الأولى في الجيش المصري، وقد تم منحها رتبة نقيب شرف تقديرا لدورها العسكري، وهذا اللقب لم يكن مجرد وسام شخصي، بل فتح الباب أمام مشاركة المرأة المصرية في العمل العسكري والوطني بصورة رسمية.وبعد أن أثبتت دورها في ميادين النضال العسكري، انتقلت راوية عطية إلى ساحة العمل السياسي، ففي عام 1957 أجريت أول انتخابات برلمانية بعد إقرار حق المرأة في التصويت والترشح، فترشحت عن دائرة الجيزة واستطاعت أن تحصد ثقة الناخبين، لتصبح أول سيدة مصرية تدخل مجلس الأمة، وداخل البرلمان، كان حضورها لافتا، حيث ركزت على قضايا المرأة والأسرة والتعليم، وطالبت بزيادة مشاركة النساء في العمل العام، ودافعت بشدة عن حقوق الشهداء والمصابين وأسرهم، وكانت صوتا جريئا في وقت لم يكن المجتمع معتادا على رؤية امرأة تحت قبة البرلمان، لكنها كسرت الحاجز الاجتماعي والسياسي بثقة واقتدار، أما اللقب الآخر الذي لازمها طوال حياتها هو أم الشهداء، فقدمت ابنها شهيدا في حرب الاستنزاف، ورغم ألم الفقدان رفعت رأسها فخرا بتضحيته، وكانت تردد دائما أن دماء الشهداء هي التي تحفظ كرامة مصر وعزتها، وأن التضحية جزء من ثمن الحرية، وهذا الموقف عزز مكانتها في قلوب المصريين، وجعلها رمزا مضاعفا للتضحية.حصلت راوية عطية على العديد من الأوسمة والنياشين تقديرا لعطائها، منها وسام البطولة من الرئيس جمال عبد الناصر، ووسام آخر من الرئيس أنور السادات بعد حرب أكتوبر، بالإضافة إلى تكريمات من منظمات نسائية ودولية، ورغم كل هذه الأوسمة، ظل أكبر تكريم لها هو مكانتها في وجدان المصريين، الذين اعتبروها رمزا حيا للمرأة المناضلة، حيث كانت دائما تؤكد أن المرأة المصرية ليست نصف المجتمع فقط، بل هي صانعة نصفه الآخر، وأن دورها في النضال الوطني لا يقل عن دور الرجل.




