القاهرة – نهاد شعبان:
في السنوات الأخيرة، أصبح استخدام المضادات الحيوية بين الأطفال أمرا شائعا في أغلب البيوت، حتى في الحالات البسيطة التي لا تحتاج إليها، فكثير من الأمهات يلجأن إلى إعطاء الطفل مضادا حيويا فور إصابته بنزلة برد أو ارتفاع بسيط في الحرارة، اعتقادا أن هذا الدواء سيسرع من شفائه، لكن ما لا تدركه بعض الأمهات هو أن هذا التصرف قد يؤدي إلى أضرار جسيمة على صحة الطفل، وأن المضاد الحيوي ليس علاجا لكل مرض كما يظن البعض، فالمضاد الحيوي هو دواء يستخدم لمكافحة البكتيريا التي تسبب العدوى، حيث يعمل على قتلها أو إيقاف نموها داخل الجسم، لكن هذا النوع من الأدوية لا يؤثر على الفيروسات، وهي السبب في معظم الأمراض الشائعة عند الأطفال مثل نزلات البرد والإنفلونزا والالتهابات الفيروسية في الحلق، لذلك فإن إعطاء المضاد الحيوي في مثل هذه الحالات لا يفيد الطفل، بل يسبب له ضررا يفوق فائدته.من أكثر الأخطاء شيوعا أن تعطى المضادات الحيوية للأطفال دون استشارة الطبيب، أو أن تستخدم بقايا أدوية سابقة من وصفات قديمة، أو أن يوقف الدواء بمجرد تحسن الأعراض، كذلك فإن استخدام المضاد الحيوي لعلاج أمراض فيروسية يعد خطأ كبيرا، لأنه لا يقضي على الفيروسات ويؤدي إلى آثار سلبية كثيرة، أخطر هذه الآثار هي ما يسمى بمقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، وهي ظاهرة عالمية تشكل تهديدا حقيقيا للصحة العامة، فحين يتناول الطفل مضادا حيويا دون حاجة، تتعلم بعض أنواع البكتيريا كيف تتكيف مع الدواء وتصبح أقوى من تأثيره، فتفقد المضادات فعاليتها تدريجيا، وعندما يصاب الطفل بعدوى حقيقية في المستقبل، يصبح علاجها أصعب بكثير لأن الدواء الذي كان فعالا من قبل لم يعد يؤثر، وهذه المقاومة تعد اليوم من أكبر المشكلات الصحية في العالم، إذ تسبب في وفيات عديدة نتيجة فشل العلاج حتى بأقوى الأدوية المتاحة.
ولا تتوقف أضرار المضادات الحيوية عند المقاومة البكتيرية فحسب، بل تمتد إلى آثار جانبية مباشرة على صحة الطفل، فقد تؤدي إلى اضطرابات في الجهاز الهضمي مثل الإسهال والمغص والانتفاخ، لأنها تقتل البكتيريا المفيدة في الأمعاء إلى جانب الضارة، كما يمكن أن تضعف مناعة الطفل مع الوقت، إذ يصبح جسمه معتمدا على الدواء بدلًا من مقاومة الجراثيم طبيعيا، فبعض الأطفال يصابون أيضا بحساسية تجاه أنواع معينة من المضادات، تظهر في صورة طفح جلدي أو تورم أو ضيق في التنفس، وهي حالات تستدعي التدخل الطبي السريع، كما أن الإفراط في استخدام هذه الأدوية يجهد الكبد والكلى، لأنهما العضوان المسؤولان عن تكسير الدواء وطرده خارج الجسم، كما تشير الدراسات الحديثة إلى أن المضادات الحيوية قد تحدث خللا في التوازن الطبيعي للبكتيريا المفيدة داخل الأمعاء، وهو ما يؤثر على عملية الهضم والمناعة وحتى المزاج والنمو على المدى الطويل. ورغم أن المضادات الحيوية ضرورية في بعض الحالات، إلا أن استعمالها يجب أن يكون بقرار طبي مدروس، فالطبيب وحده هو القادر على تحديد إن كانت العدوى بكتيرية تستدعي المضاد الحيوي أم فيروسية يمكن أن تشفى بالعلاج البسيط والراحة، فالمضادات الحيوية تكون ضرورية مثلا في حالات التهاب اللوزتين البكتيري أو التهاب الأذن الوسطى أو الالتهابات البولية، لكنها لا تستخدم في نزلات البرد أو السعال العادي، لذلك من المهم أن يلتزم الأهل بنصائح الطبيب في نوع الدواء وجرعته ومدة استخدامه، وألا يوقفوه عند أول تحسن في الحالة، حيث أن إيقاف العلاج مبكرا يسمح للبكتيريا بالعودة مجددا وقد يجعل العدوى أشد خطورة، كذلك يجب عدم استخدام أدوية تخص أطفالا أخرين أو بقايا وصفات سابقة، لأن نوع العدوى يختلف من حالة إلى أخرى.




