القاهرة – نهاد شعبان:
يعتبر زواج القاصرات من أخطر الظواهر الاجتماعية التي لا تزال تضرب بعض المجتمعات العربية، وخاصة في القرى والمناطق الريفية والفقيرة، حيث تتزوج الفتيات قبل بلوغ السن القانونية تحت ذرائع مختلفة، أبرزها ما يسمى بـ”السترة” أو الخوف عليهن من الانحراف، ورغم أن هذه الممارسة تتنافى مع القانون والدين وحقوق الإنسان، فإنها ما زالت منتشرة في الخفاء أو تحت غطاء العادات والتقاليد، لتتحول إلى مأساة إنسانية تدفع ثمنها الطفلات في صمت، وتعود ظاهرة زواج القاصرات في مصر والعالم العربي إلى موروث اجتماعي قديم، يرى في زواج الفتاة المبكر وسيلة لحمايتها وضمان مستقبلها، خصوصا في المجتمعات الريفية التي تضع الشرف والعفة في مقدمة القيم الاجتماعية، لكن خلف هذا المبرر الأخلاقي تكمن مجموعة من الأسباب الاقتصادية والثقافية التي تغذي استمرار هذه الجريمة في حق الطفولة.
ومن أبرز هذه الأسباب هو الفقر، فهناك الكثير من الأسر الفقيرة، تزوج الفتاة في سن صغيرة لتخفيف العبء المالي عن الأسرة، أو للحصول على مهر يساعد الأهل في مواجهة أعباء الحياة، كما يلعب الجهل وضعف التعليم دورا كبيرا، حيث يجهل بعض الآباء خطورة الزواج المبكر، ويرون أن الفتاة لا تحتاج إلى التعليم طالما مصيرها البيت والزوج، وهناك أيضا العامل الثقافي، حيث تمارس ضغوط مجتمعية على الأسر لتزويج بناتهم في سن مبكرة خوفا من العنوسة أو كلام الناس، فيتحول الزواج إلى وسيلة لتثبيت المكانة الاجتماعية أو لحماية السمعة، ورغم أن القانون المصري يجرم زواج القاصرات دون سن 18 عاما.
فإن الظاهرة لا تزال موجودة، وغالبا ما تتم في الخفاء، حيث يقوم بعض المأذونين غير الرسميين بعقد زواج عرفي بين الطرفين دون توثيق رسمي، بحجة أن الزواج سيسجل لاحقا بعد بلوغ الفتاة السن القانونية، لكن في كثير من الحالات لا يتم هذا التوثيق أبدا، ما يجعل الفتاة محرومة من أي حقوق قانونية، وفي حال فشل الزواج أو وفاة الزوج، تجد الفتاة نفسها في مأزق حقيقي، فهي ليست زوجة قانونية ولا مطلقة رسميا، ولا تستطيع المطالبة بحقوقها أو حقوق أطفالها، فينشأ جيل جديد بلا هوية أو نسب، هذا الالتفاف على القانون يعكس غياب الرقابة وتواطؤ بعض الأطراف الذين يستفيدون من استمرار الظاهرة، سواء بدافع الكسب المالي أو الحفاظ على صورة اجتماعية زائفة.
كما أن زواج القاصرات ليس مجرد زواج مبكر، بل جريمة مكتملة الأركان في حق الطفولة، فهذه الفتيات يحرمن من التعليم واللعب والنضوج الطبيعي، ويجبرن على تحمل مسئوليات تفوق أعمارهن بكثير، فالفتاة الصغيرة لا تملك النضج الجسدي أو النفسي لبناء أسرة أو تربية أطفال، فيتحول الزواج إلى عبء قاس على جسدها وروحها، ومن الناحية النفسية، تعاني القاصرات من اضطرابات حادة، مثل الخوف، والاكتئاب، والشعور بالدونية، وكثيرات يتعرضن للعنف الجسدي والجنسي من أزواج يكبرونهن بعشرات السنين، ويجبرن على الصمت بدافع العيب أو السترة، كما أن الحرمان من التعليم يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر والاعتماد الكامل على الزوج، مما يعمق دائرة التبعية الاقتصادية والاجتماعية، أما من الناحية الصحية، فتؤكد الدراسات أن الحمل المبكر يزيد من احتمالات مضاعفات الولادة والوفاة أثناء الحمل، لأن جسد الفتاة لا يكون مكتمل النمو، كما ترتفع معدلات الإجهاض والأمراض المزمنة بين المتزوجات الصغيرات، ما يجعل الزواج المبكر خطرا مباشرا على حياتهن.





