القاهرة – نهاد شعبان:
في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط النفسية والاجتماعية، يظهر خطر الإدمان كعدو خفي يهدد استقرار الأسر والمجتمعات، ومع إدراك الدولة المصرية لحجم هذا الخطر، جاءت مبادرة صحتك سعادة لتعلن حربا شاملة على الإدمان بكل أنواعه، في خطوة تعد تحولا كبيرا في التعامل مع قضايا الصحة النفسية والمجتمعية، فتلك المبادرة التي أطلقتها وزارة الصحة بدعم من القيادة السياسية، لا تكتفي بمكافحة تعاطي المخدرات فحسب، بل تمتد لتشمل الإدمان الإلكتروني والسلوكيات الضارة، في محاولة جادة لحماية الشباب وصون الأسرة المصرية من التفكك والانهيار.وتدرك المبادرة أن مواجهة الإدمان لا يمكن أن تقتصر على العلاج الطبي وحده، بل هي معركة وعي وفكر قبل أن تكون معركة دواء، فالإدمان يبدأ غالبا من لحظة ضعف، أو فراغ، أو شعور بالعجز أمام ضغوط الحياة، ليتحول تدريجيا إلى سلوك قهري يفقد الإنسان إرادته، ومن هذا المنطلق، وضعت مبادرة صحتك سعادة محور التوعية في مقدمة أولوياتها.
من خلال حملات إعلامية وتثقيفية تستهدف المدارس والجامعات وأماكن العمل، وتركز على الشباب بوصفهم الفئة الأكثر عرضة للتأثر، وتتحرك المبادرة في إطار وطني متكامل يجمع بين التوعية والعلاج والدعم النفسي والاجتماعي، فهي لا تكتفي بتنظيم حملات توعية سطحية، بل تعمل على دمج خدمات علاج الإدمان ضمن منظومة الرعاية الصحية الأساسية، حتى تصبح متاحة في كل مكان، وبصورة آمنة تحافظ على خصوصية المريض.كما تولي المبادرة اهتماما خاصا بالصحة النفسية، باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الإدمان، فالوقاية لا تبدأ عند ظهور الأعراض، بل عند دعم الإنسان نفسيا واجتماعيا قبل أن يقع فريسة للعزلة أو الإحباط أو الإدمان الإلكتروني، ولهذا، أطلقت المبادرة وحدات للدعم النفسي داخل المستشفيات، ومنصات إلكترونية للتواصل الآمن بين المواطنين والأخصائيين النفسيين، وفي الوقت ذاته، تسعى المبادرة إلى تدريب الأطباء والممرضين والأخصائيين على التعامل مع حالات الإدمان بأساليب علمية حديثة، تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية إلى جانب العلاج الدوائي، ومن أبرز ما يميز مبادرة صحتك سعادة هو جرأتها في الاعتراف بالإدمان الإلكتروني كأحد أخطر أشكال الإدمان الحديث، فبينما ينشغل البعض بمخاطر المخدرات التقليدية، تنشأ أجيال جديدة تتعلق بشاشات الهواتف والألعاب الإلكترونية، حتى يفقد كثير منهم القدرة على التواصل الواقعي.كما أن الإدمان الإلكتروني، في رؤية المبادرة، لا يقل خطورة عن تعاطي المخدرات، لأنه يسلب الإنسان تركيزه، ويعزله عن أسرته، ويؤثر على إنتاجه الدراسي والعملي، بل وقد يقوده إلى اضطرابات نفسية حادة، وترى المبادرة أن الحرب على الإدمان لا يمكن أن تحسم من خلال مؤسسات الدولة وحدها، بل تحتاج إلى تكاتف الأسرة والمجتمع والمدرسة والإعلام، فالأسرة هي خط الدفاع الأول، والبيت هو المكان الذي تبدأ فيه الحماية أو تبدأ منه الكارثة، ولهذا، تركز المبادرة على تدريب الآباء والأمهات على كيفية ملاحظة العلامات المبكرة للإدمان، وتشجيع الحوار المفتوح مع الأبناء بدلًا من أسلوب التهديد أو العقاب، كما تسعى المبادرة إلى تعزيز دور الإعلام في تصحيح الصورة النمطية عن المدمنين، والتوقف عن تصويرهم كخارجين عن القانون، بل كأشخاص يحتاجون إلى المساندة والعلاج، وفي المدارس والجامعات، يجري تنفيذ برامج تربوية تشجع على التفكير الإيجابي، وتنمية مهارات مقاومة الضغوط النفسية، وتعليم الشباب كيف يقولون لا في مواجهة الإغراء أو التجربة.




