القاهرة – نهاد شعبان:
إذا تجولت يوما ما في وسط القاهرة القديمة وبين شوارعها المزدحمة ستجد نفسك أمام باب زويلة، وهو أحد أقدم أبواب القاهرة الفاطمية وأكثرها شهرة، وما زال يحتفظ بمكانته حتى اليوم كأثر معماري رائع وقطعة من روح المدينة، فمن يمر بجانبه يشعر وكأنه دخل صفحة من كتاب التاريخ، حيث تتحدث الحجارة عن عصور مضت وممالك قامت وسقطت، ويرجع تاريخ بناء باب زويلة إلى زمن الدولة الفاطمية، عندما كانت القاهرة مدينة مسوّرة تحيط بها الأسوار والأبواب لحمايتها من الأعداء، وكان لكل باب وظيفة وموقع محدد، وكان باب زويلة هو المدخل الجنوبي للمدينة.اكتسب باب زويلة اسمه من قبيلة زويلة المغربية التي شاركت في فتح مصر، واستقرت في المنطقة المجاورة للباب، فحمل اسمها تكريما لها، ومع مرور الزمن، أصبح الباب معلما شهيرا، ليس فقط لأنه من بقايا سور القاهرة القديمة، بل لأنه شهد الكثير من الأحداث التي شكلت جزءا من تاريخ مصر، فباب زويلة لم يكن مجرد بوابة، بل كان مسرحا لأحداث كبيرة، فعلى مدار القرون، مر من تحته الحكام والقوافل والحجاج، كما شهد مواقف مأساوية تركت أثرها في الذاكرة، ومن أشهر تلك اللحظات، عندما تم إعدام السلطان طومان باي عليه بعد دخول العثمانيين مصر، وظل مشهد تعليقه على الباب علامة فارقة في تاريخ البلاد.
لكن الباب لم يكن دائما رمزًا للعقاب، فقد كان أيضا مكانا للاحتفال، خاصة في موسم الحج، عندما كان الناس يجتمعون لاستقبال المحمل الشريف الخارج من القاهرة متجها إلى مكة.عند النظر إلى باب زويلة، أول ما يلفت الانتباه هو ضخامته ودقة بنائه، حيث يتكون من برجين كبيرين يربط بينهما قوس حجري جميل، وكان يستخدم قديما كموقع للمراقبة والدفاع عن المدينة، فوقه تقف مئذنتان شاهقتان بنيتا في العصر المملوكي، عندما أقيم إلى جواره مسجد المؤيد شيخ، لتتحول المنطقة إلى لوحة فنية تجمع بين العمارة والدين والتاريخ، ورغم مرور مئات السنين، ما زال الباب يحتفظ بزخارفه ونقوشه الأصلية، التي تكشف عن براعة الحرفيين في العصور القديمة، وقدرتهم على الجمع بين القوة والجمال في آن واحد، ولكن السؤال الذي يشغل بال الزوار دائما كيف استطاع باب زويلة أن يصمد كل هذه القرون؟، والسر يكمن في جودة بنائه ومتانة تصميمه، فالحجارة التي استخدمت في تشييده كانت من النوع القوي، والأساسات وضعت بعمق كبير لتحمل الزمن، لكن هناك سببا آخر أهم من ذلك هي حبة المصريين له وحرصهم على الحفاظ عليه.وعلى مر العصور، خضع الباب لعمليات ترميم دقيقة أعادت إليه رونقه دون أن تفقده طابعه الأصيل، واليوم أصبح المكان مزارا سياحيا وموقعا أثريا مفتوحا للزيارة، يأتيه الناس من داخل مصر وخارجها ليلتقطوا الصور، ويتأملوا جمال الماضي، ومن أجمل ما يميز باب زويلة أنه لا يقف وحيدا في صحراء، بل تحيط به حياة نابضة، فحول الباب تمتد الأسواق القديمة مثل سوق الخيامية والنحاسين، حيث تصطف المحال الصغيرة التي تبيع المصنوعات اليدوية والمنتجات التراثية، وفي الشوارع المجاورة تسمع أصوات الحرفيين وهم يصنعون المصابيح والزخارف النحاسية، في مشهد يجمع بين التاريخ والحياة اليومية، كما أن الكثير من الزوار يقولون إن باب زويلة يمثل روح القاهرة القديمة، لأنه يجمع بين الماضي والحاضر، بين عبق التاريخ وحركة الناس المستمرة.




