القاهرة – نهاد شعبان:
رغم ما يشهده العالم من تطور تكنولوجي هائل، وغزو الذكاء الاصطناعي لمختلف مجالات الحياة، ما زالت بعض الخرافات الشعبية تجد لنفسها مكانا راسخا في وجدان الناس، تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، وكأنها جزء من الهوية الثقافية، ومن بين هذه المعتقدات القديمة التي ما زالت صامدة حتى اليوم، تجد رموزا مثل كف العفريت والخرزة الزرقاء، اللتان يعتقد كثيرون أنهما تملكان قدرة خارقة على طرد الحسد وجلب الحظ الجيد، ففي الأسواق الشعبية، وعلى واجهات السيارات، وفي البيوت وحتى في أماكن العمل، لا يزال بريق الخرزة الزرقاء يلفت الأنظار، حيث توضع في العقود، وتعلق في الأبواب، وتهدى للمولود الجديد، وكأنها حارس خفي ضد الشر والعين، أما كف العفريت الذي يعرف في بعض البلدان خمسة وخميسة فيعلّق عادة في مداخل البيوت أو على واجهات المحلات، في إيمانٍ بأنه يدرأ الحسد ويمنع الأذى.تقول الحاجة فاطمة عبد الله، 65 عاما، صاحبة محل للهدايا الشعبية في الجيزة لـ”وكالة الإعلام العربية” ،:” من أيام أمي وجدتي، الناس بتخاف من العين، وعشان كدا بيجوا يشتروا الخرزة الزرقا عشان تحمي أولادهم أو بيتهم، ومفيش تطور هيغير دا، العين حق، والخرزة وقاية، والناس خلاص اتعودت إنها تشتري الحاجات دي من أيام أهاليها لحد النهاردة هي هي نفس المعتقدات مش هتتغير”، ورغم أن قولها يحمل مزيجا من الإيمان الشعبي والتقاليد القديمة، إلا أنه يعكس حقيقة اجتماعية لا يمكن إنكارها وهي أن الإيمان بالخرافات لا يزال قويا رغم كل ما تحقق من علم وتكنولوجيا.
ويرى المؤرخون أن هذه الرموز ليست جديدة، فالخرزة الزرقاء لها جذور قديمة تعود إلى الحضارات المصرية واليونانية والفرعونية القديمة، كما أن اللون الأزرق كان يرمز به إلى السماء والماء وهما مصدري الحياة والنقاء فاعتقد الناس أنه يطرد الشر ويبعد الأرواح السيئة، أما كف العفريت أو يد فاطمة، فقد ارتبطت في الثقافة الإسلامية باسم السيدة فاطمة الزهراء، رمز الطهارة والصبر، مما جعلها تحمل معنى الحماية الروحية، وفي الثقافات الأخرى، نرى الرمز نفسه يتكرر بأشكال مختلفة، ففي تركيا تعرف بـ خرزة العين الزرقاء، وفي المغرب تعلق كف الخمسة على الأبواب، وفي الهند تنتشر العين السوداء المصنوعة من الفحم أو الكحل، وكأن الخوف من الحسد هو شعور إنساني عالمي لا يعرف حدودا أو ديانات.ومن جانبه يؤكد الدكتور محمود السعدني، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس، أن تمسك الناس بالخرافات ليس دليلا على الجهل، بل هو استجابة نفسية طبيعية للخوف من المجهول، مضيفا أن الإنسان بطبعه يبحث عن وسيلة تمنحه الأمان، وفي الماضي لم يكن العلم قادرا على تفسير كل الظواهر، فخلقت المجتمعات رموزا وشعائر لحماية نفسها من الخطر، حتى وإن كان وهميا، مشيرا إلى أن الخرافات تلعب دورا نفسيا مهدئا، حيث تمنح صاحبها شعورا بالسيطرة على الموقف، فالشخص الذي يعلق خرزة زرقاء يشعر أنه محمي، وهذا الإحساس وحده يقلل من قلقه وتوتره، حتى وإن لم يكن للخرزة أي تأثير حقيقي، وفي المقابل يرفض كثير من العلماء ورجال الدين هذه الممارسات، معتبرين أنها نوع من الشرك أو التعلق بغير الله، حيث يقول الشيخ أحمد الجندي، من علماء الأزهر الشريف إن الإسلام دعا إلى التوكل على الله وحده، ونهى عن الاعتقاد في الأشياء المادية التي لا تملك نفعا ولا ضرا، مضيفا أن الخرزة الزرقاء وكف العفريت لا تحمي من العين، بل الدعاء والذكر هما الحصن الحقيقي، ومع ذلك، لا يعني الرفض الديني أن هذه الظاهرة في طريقها إلى الزوال، فحتى مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والوعي المتزايد، لا تزال صفحات كثيرة تروج لمنتجات ضد الحسد، وتلقى رواجا كبيرا بين الشباب والفتيات على حد سواء.




