القاهرة – نهاد شعبان:
تواجه بعض الصناعات الوطنية في مصر صعوبات غير مسبوقة تهدد استمراريتها وقدرتها على المنافسة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلب أسعار الطاقة، وتراجع الطلب المحلي والعالمي، وتأتي صناعة الألومنيوم في مقدمة هذه القطاعات التي تقف اليوم على حافة الانهيار، بعد أن كانت واحدة من أعمدة الاقتصاد المصري لعقود طويلة، ومصدرا رئيسيا للعملة الصعبة من خلال التصدير، وتعتبر شركة مصر للألومنيوم بنجع حمادي، التابعة لقطاع الأعمال العام أحد أكبر المشروعات الصناعية في الشرق الأوسط منذ تأسيسها عام 1975، لكن هذه القلعة الصناعية التي كانت تفخر بها الدولة تواجه اليوم أزمة حادة بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء، التي تمثل نحو 40 % من تكلفة إنتاج الألومنيوم.من جانبه، يقول المهندس عبدالمنعم حجازي، أحد العاملين بالشركة منذ أكثر من عشرين عاما:” كنا بنصدر الألومنيوم لكل دول العالم، دلوقتي الإنتاج قل والنفقات زادت، الكهرباء بقت أغلى من سعر البيع أحيانا، والمصنع بيخسر بدل ما يكسب”، مضيفا أن الشركة كانت تعتمد في الماضي على سعر كهرباء صناعي ثابت، لكن بعد تحرير أسعار الطاقة ارتفعت التكلفة بشكل غير محتمل، مما أدى إلى تراجع الأرباح وتحولها إلى خسائر بمئات الملايين في السنوات الأخيرة، وبحسب البيانات الصادرة عن الشركة القابضة للصناعات المعدنية، سجلت شركة مصر للألومنيوم خسائر تجاوزت 1.7 مليار جنيه في بعض الأعوام، بعد أن كانت تحقق أرباحا تقارب ملياري جنيه سنويا، كما انخفض حجم الصادرات بنسبة تقارب 30% خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب المنافسة الشرسة من الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند، ويرى الخبراء أن الأزمة ليست مالية فقط، بل تمتد إلى نقص الاستثمارات في تحديث خطوط الإنتاج التي تجاوز عمر بعضها 40 عاما، مما أثر على كفاءة التشغيل وجودة المنتج النهائي.
بينما أوضح الدكتور محمود عادل، أستاذ الاقتصاد الصناعي بجامعة القاهرة أن:” مصانع الألومنيوم المصرية تعمل بتكنولوجيا قديمة تحتاج إلى تحديث شامل، الدول المنافسة تعتمد على أفران حديثة تستهلك طاقة أقل وتنتج بجودة أعلى، وإذا لم يتم ضخ استثمارات عاجلة، سنفقد موقعنا في السوق الإقليمي”، مضيفا:” لم تتوقف الأزمة عند الألومنيوم فقط، فهناك صناعات أخرى تقف على الحافة نفسها، أبرزها الأسمنت، والحديد، والسيراميك، والأسمدة، وجميعها تشترك في مشكلات رئيسية منها ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام، ونقص العملة الصعبة لاستيراد مستلزمات الإنتاج، وتراجع القدرة الشرائية في السوق المحلي”، ففي قطاع الأسمنت، أغلقت عدة مصانع أبوابها أو خفضت طاقتها التشغيلية بعد أن وصلت تكلفة الطن إلى مستويات غير تنافسية مقارنة بدول المنطقة، أما صناعة السيراميك، التي كانت تصدر إلى أوروبا وأفريقيا، فتعاني من تراجع كبير بسبب ارتفاع الغاز الطبيعي وضعف الطلب المحلي على مواد البناء.وتؤكد الحكومة المصرية أن تحرير أسعار الطاقة كان ضرورة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، وأنه لا يمكن استمرار الدعم بشكل يضر بالموازنة العامة، لكن الصناعيين يطالبون بتطبيق نظام تسعير تفضيلي للصناعات الاستراتيجية التي تمثل قيمة مضافة عالية وتوفر آلاف فرص العمل، حيث يقول الدكتور هاني بركات، الخبير في شئون الصناعة إن :” الدعم الذكي هو الحل، بمعنى إننا نوفر سعر طاقة مناسب للصناعات المهمة زي الألومنيوم والحديد، مقابل التزامها بالتصدير أو تشغيل عدد معين من العمالة، كده نحافظ على الصناعة من غير ما نرجع للدعم الشامل”، وتعمل وزارة التجارة والصناعة حاليا على إعداد خطة لإنقاذ الصناعات المتعثرة، تتضمن إعادة هيكلة الشركات الخاسرة، وتشجيع الشراكة مع القطاع الخاص لجذب استثمارات جديدة، لكن خبراء الصناعة يرون أن الوقت يمر سريعا، وأن التأخير يعني خسارة مواقع استراتيجية في السوقين العربي والإفريقي.




