dhl
dhl

الزهايمر.. معركة الإنسان مع الزمن

القاهرة – نهاد شعبان:

في ركن هادئ من إحدى دور الرعاية، يجلس رجل في السبعين من عمره ينظر إلى صورة عائلته، يحاول أن يتذكر أسماءهم، ولكن عقله يخونه، تلك هي مأساة الزهايمر، المرض الذي يسلب الإنسان أعز ما يملك وهي ذاكرته وهويته، فالزهايمر لم يعد مجرد حالة صحية تصيب كبار السن، بل أصبح قضية إنسانية عالمية، تعكس معركة طويلة بين الإنسان والزمن، بين التقدم العلمي والتدهور الطبيعي للعقل، ويعد الزهايمر هو اضطراب عصبي تدريجي يؤدي إلى تدهور في الذاكرة والقدرات الفكرية والسلوكية، ما يجعل المصاب عاجزا عن ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي، ويحدث المرض عندما تبدأ خلايا الدماغ في التراجع والموت، نتيجة تراكم بروتينات غير طبيعية تعرف باسم بيتا أميلويد وتاو، ما يؤدي إلى فقدان الروابط العصبية بين خلايا المخ، ورغم أن الإصابة تزداد مع التقدم في العمر، فإن الزهايمر ليس جزءا طبيعيا من الشيخوخة، بل مرض معقد لا تزال أسبابه الدقيقة قيد البحث.

بحسب منظمة الصحة العالمية، يوجد اليوم أكثر من 55 مليون شخص حول العالم مصابون بالخرف، ومن المتوقع أن يتضاعف العدد بحلول عام 2050 ليصل إلى 139 مليونا، مع تزايد متوسط الأعمار، وفي العالم العربي، تشير تقديرات الجمعية العربية لطب الشيخوخة إلى أن مصر تضم نحو 500 ألف مصاب بالزهايمر، بينما تصل الحالات في العالم العربي إلى ما يزيد عن 3 ملايين شخص، وهذه الأرقام لا تعكس فقط معاناة المرضى، بل أيضا الأعباء الاقتصادية والنفسية على أسرهم، حيث يحتاج المريض إلى رعاية مستمرة قد تمتد لسنوات طويلة، حيث تبدأ رحلة الزهايمر عادة بنسيان بسيط، على سبيل المثال مفاتيح تترك في مكان غريب، مواعيد تنسى، كلمات لا تستحضر بسهولة، لكن بمرور الوقت، يتحول هذا النسيان إلى فقدان للذاكرة طويلة المدى، ثم تتأثر اللغة، والقدرة على اتخاذ القرار، بل وحتى معرفة الأشخاص المقربين، حيث تقول الدكتورة نهى عبد السلام، أستاذة طب الأعصاب بجامعة القاهرة إن :” الزهايمر يهاجم الدماغ بصمت، فهو يبدأ قبل سنوات من ظهور الأعراض، وعندما تظهر تكون الخلايا العصبية قد فقدت جزءا كبيرا من قدرتها على التعافي”، مضيفة أن الكشف المبكر يمثل الأمل الحقيقي في إبطاء تطور المرض، عبر برامج الفحص الدورية لكبار السن.ولا يمكن أن ننسى أن وراء كل مريض زهايمر عائلة تكافح بصمت، حيث تحكي منى عبد الحميد، ابنة مريضة تبلغ من العمر 80 عاما، مأساة والدتها مع مرض الزهايمر لـ”وكالة الإعلام العربية” قائلة:” أمي بدأت تناديني باسم أختي المتوفاة، ثم نسيت إنها فقدتها، أكثر ما يؤلمنا مش بس إنها بتنسى، لكن إنها ساعات بتخاف مننا لأنها مش فاكرانا”، وأضافت منى أن التعامل مع المريض يحتاج إلى صبر وحب ووعي، لأن الغضب أو التوبيخ قد يزيد من اضطرابه، وتابعت:” اتعلمنا إننا نعيش معاها في عالمها، مش نحاول نرجعها لعالمنا”، تلك الجملة تلخص جوهر التعامل الإنساني مع الزهايمر، فالمعركة ليست فقط طبية، بل عاطفية وإنسانية عميقة، ورغم تعقيد المرض، فإن العلم لم يستسلم، حيث أنه خلال السنوات الأخيرة، حققت الأبحاث الطبية تقدما ملحوظا في فهم آلية الزهايمر، وظهرت أدوية جديدة مثل ليكانيماب، ودونانيماب، والتي أظهرت نتائج واعدة في إبطاء تقدم المرض عن طريق تقليل تراكم البروتينات الضارة في الدماغ، كما تشير الدراسات إلى أن التعلم المستمر وممارسة الأنشطة الذهنية كحل الألغاز أو تعلم لغات جديدة تساعد في تقوية الروابط العصبية وتأخير الشيخوخة الدماغية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.