القاهرة – أميرة المحمدي:
في الوقت الذي يتزاحم فيه آلاف الطلاب على مقاعد الجامعات المصرية كل عام، تزداد الأسئلة حول جدوى التعليم الجامعي في مواجهة واقع اقتصادي متغير وسوق عمل لا يرحم. فبينما تفتخر الدولة بارتفاع أعداد الخريجين، يشتكي أرباب العمل من ندرة الكفاءات الجاهزة فعلاً للتوظيف.
من داخل قاعة مزدحمة بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، تقول الطالبة مي خالد وهي على أعتاب التخرج:”نذاكر مواد نظرية ونحفظ قوانين من التسعينات.. لكن محدش بيكلمنا عن شغل المحاماة فعلاً، ولا بنتعلم إزاي نتعامل مع الموكلين أو نصيغ عقد.”تشير كلماتها إلى أزمة عميقة في فلسفة التعليم الجامعي، حيث يظل الطالب متلقياً للمعلومة دون تدريب كافٍ على تطبيقها.
• فجوة متزايدة بين الشهادة والمهارة
تشير تقارير وزارة التخطيط المصرية إلى أن نسبة البطالة بين الشباب الحاصلين على مؤهل جامعي تصل إلى نحو 17%، وهي من أعلى النسب في المنطقة العربية. ويرجع الخبراء ذلك إلى عدم توافق التخصصات الجامعية مع متطلبات سوق العمل، خاصة في مجالات الآداب والحقوق والتجارة.يقول الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم عبدالعاطي:”الاقتصاد المصري في طريقه للتحول نحو الاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية، لكن الجامعات ما زالت تُخرّج أعدادًا كبيرة من الطلاب في تخصصات لا ترتبط بهذا التحول. النتيجة أن هناك فائضًا من الخريجين في تخصصات تقليدية، ونقصًا حادًا في المهارات التقنية.”
• خطوات إصلاحية… لكن الطريق طويل
شهدت السنوات الأخيرة محاولات إصلاحية جادة. فقد أطلقت الدولة الجامعات التكنولوجية، وهي نمط جديد من التعليم يركز على التدريب العملي في مجالات الصناعة والطاقة والذكاء الصناعي.كما توسعت وزارة التعليم العالي في برامج “الربط مع الصناعة”، من خلال تدريب الطلاب في شركات القطاعين العام والخاص.في جامعة بنها التكنولوجية مثلاً، يشارك الطلاب في ورش عمل داخل مصانع حقيقية، ويتخرجون بشهادات معترف بها تؤهلهم مباشرة لسوق العمل.لكن رغم نجاح هذه التجارب الجزئية، يرى مراقبون أن المنظومة التقليدية في باقي الجامعات لا تزال تُشكل نحو 90% من المخرجات التعليمية، ما يجعل التغيير بطيئًا جدًا مقارنة بسرعة تحولات السوق.
• البحث العلمي في أزمة مزمنة
يُعد ضعف الإنفاق على البحث العلمي أحد أبرز مظاهر الخلل في التعليم الجامعي. فرغم أن الدستور المصري ينص على تخصيص 1% من الناتج المحلي للبحث العلمي، إلا أن النسبة الفعلية لم تتجاوز 0.6% خلال العام الماضي.ويقول الدكتور محمود فؤاد، أستاذ هندسة الحاسبات بجامعة الإسكندرية:”لا يمكن أن نطالب الطلاب بالابتكار في بيئة تعليمية تفتقر للمعامل المجهزة أو للمشروعات التطبيقية. البحث العلمي في مصر ما زال يعتمد على الجهد الفردي وليس على منظومة متكاملة.”
• الطلاب بين الإحباط والأمل
في المقابل، لا يزال الأمل حاضرًا بين صفوف الشباب. فالكثير من الخريجين بدأوا يتجهون نحو المشروعات الصغيرة والعمل الحر عبر الإنترنت، وهو ما خلق واقعًا جديدًا يتجاوز انتظار الوظيفة الحكومية أو التقليدية.تقول سارة عبدالعزيز، خريجة كلية الإعلام:”أنا درست الصحافة لكني دلوقتي بشتغل في التسويق الرقمي. اتعلمت أونلاين، وبدأت أطبق اللي اتعلمته، وحسّيت إن المهارة أهم من الشهادة.”
• الطريق نحو إصلاح حقيقي
يرى الخبراء أن أي إصلاح شامل للمنظومة الجامعية يجب أن يرتكز على 3 محاور أساسية:1. تطوير المناهج بما يتماشى مع الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة.2. تدريب الأساتذة على أساليب تعليم تفاعلية بدلًا من التلقين.3. تفعيل الشراكات مع القطاع الخاص لتوفير تدريب عملي وإتاحة فرص توظيف مبكرة للطلاب. يبقى التعليم الجامعي في مصر مرآةً تعكس واقعًا مزدوجًا: طموح علمي كبير يواجه بنية تقليدية بطيئة في التغيير. وبينهما جيل كامل يحاول أن يجد لنفسه مكانًا تحت شمس سوق العمل، مسلحًا بالأمل أكثر من الشهادة.




