dhl
dhl

“Art Cairo 2025”.. حين يلتقي الفن بالتراث على أرض المتحف المصري الكبير

القاهرة – أميرة المحمدي:

على أطراف الجيزة، وفي بهوٍ يغمره ضوء التاريخ، تتلألأ ألوان من زمن الحاضر أمام جدران تحكي قصة حضارة عمرها آلاف السنين. هناك، داخل المتحف المصري الكبير، يُقام معرض «Art Cairo 2025» تحت شعار “Peace to All Nations”، في مشهد فني وإنساني يجمع أكثر من ثلاثمئة فنان وخمسٍ وثلاثين غاليريًا من العالم العربي وأوروبا، ليحوّل القاهرة إلى عاصمةٍ مؤقتة للفن المعاصر في قلب العالم القديم.يأتي هذا المعرض ليؤكد أن مصر لم تكتفِ بأن تكون متحفًا للتاريخ، بل باتت اليوم مختبرًا حيًا للحداثة، تدمج بين الهوية والتراث والمعاصرة في نسيج بصري يعبّر عن التعدد الثقافي والانفتاح الفكري. فاختيار المتحف المصري الكبير كموقع للحدث لم يكن مصادفة، بل رسالة رمزية تؤكد أن الفن الحديث يمكن أن يعيش جنبًا إلى جنب مع عبق الماضي، وأن الإبداع المعاصر هو امتداد طبيعي لذاك الإرث العظيم الذي تركه المصري القديم للعالم.وسط تلك القاعات الواسعة، تنتشر الأعمال الفنية كما لو كانت تحاور التماثيل والأقنعة والجداريات القديمة.

كل لوحة تبدو وكأنها تهمس بلغتها الخاصة، وكل منحوتة تستدعي ذاكرة الأشكال الأولى للإنسان حين أراد أن يعبّر عن ذاته على جدران المعابد. الفن هنا ليس مجرد عرض بصري، بل تجربة تأملية عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والزمن، بين الماضي الذي لا يموت والحاضر الذي لا يتوقف عن التحوّل.ومن بين أبرز المشاركات التي لفتت الأنظار، جاءت مجموعة “Egyptian Sarcophagi” للفنان السوري نزار صابور، التي تعيد صياغة الرموز المصرية القديمة في سياقات فكرية معاصرة، حيث تمتزج الألوان الترابية بالرموز الدينية والأسطورية لتُقدّم رؤية تُجسّد وحدة الذاكرة الثقافية بين الشعوب العربية. أعمال صابور لم تكن مجرد تحية للحضارة المصرية، بل أيضًا تأمل في المصير الإنساني المشترك، في زمنٍ يبحث فيه العالم عن معنى للسلام الذي يحمله عنوان المعرض.ولم يقتصر “Art Cairo 2025” على الحضور العربي فحسب، بل شهد مشاركة واسعة من فنانين أوروبيين وأفارقة، في خطوة تُبرز الدور الثقافي المتنامي لمصر كجسرٍ للتواصل بين الشمال والجنوب. فالمعرض فتح آفاقًا جديدة للحوار الفني عبر ورش عمل، وعروض تفاعلية، ونقاشات حول مستقبل الفنون في العالم العربي، ليصبح منصة حقيقية لتبادل الرؤى والتجارب بين الشرق والغرب.في كلمته الافتتاحية، وصف أحد منظمي المعرض الحدث بأنه “احتفال بالإنسان قبل أن يكون احتفالًا بالفن”، موضحًا أن شعار “السلام بين الأمم” لم يكن مجرد عبارة تجميلية، بل دعوة فكرية تنطلق من القاهرة – مدينة التاريخ والتنوع – لتذكّر العالم بأن الإبداع هو اللغة الوحيدة القادرة على تجاوز الحدود والجغرافيا والسياسة.ويشير نقاد الفن التشكيلي إلى أن تنظيم هذا المعرض داخل المتحف المصري الكبير يحمل دلالة بالغة، فهو أول مرة يلتقي فيها الإرث الفرعوني بالفن العالمي المعاصر تحت سقف واحد، مما يجعل من التجربة حالة نادرة من التفاعل الثقافي والرمزي. البعض وصفها بأنها “ولادة جديدة للفن العربي في حضن الحضارة التي علّمت العالم معنى الجمال”، فيما رأى آخرون أنها “تجسيد عملي لفكرة الدبلوماسية الثقافية التي تقودها مصر في القرن الحادي والعشرين”.على مستوى الحضور، شهد المعرض إقبالًا لافتًا من الزوار المصريين والأجانب، خاصة الشباب المهتمين بالفنون الحديثة. وفي ممرات المتحف التي امتلأت بالحركة والألوان، كان يمكن سماع لغات مختلفة تتبادل الإعجاب والانبهار، في صورةٍ تجسّد فعلاً شعار المعرض: “سلام بين الأمم”. الفن هنا لم يعد حكرًا على النخبة، بل صار مساحة مفتوحة للحوار والتفاعل الإنساني.في نهاية الجولة، يخرج الزائر من القاعة وهو يدرك أن “Art Cairo 2025” ليس مجرد حدث فني عابر، بل رسالة حضارية تؤكد أن القاهرة، التي أنجبت الفراعنة واحتضنت الفنون عبر العصور، ما تزال قادرة على أن تقود الحوار الثقافي العالمي بلغة الجمال والسلام.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.