القاهرة – نهاد شعبان:
في مثل هذا اليوم ٢٢ أكتوبر من عام 1919، ولد واحد من أعظم القادة العسكريين في تاريخ مصر والعالم العربي، الشهيد الفريق عبد المنعم رياض، الذي تحول اسمه إلى رمز للبطولة والتضحية، لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان مدرسة في القيادة والانضباط والإخلاص للوطن، عاش بطلا في ميادين القتال، ورحل شهيدا في ساحة الشرف، ليبقى اسمه خالدا في وجدان المصريين إلى الأبد، فقد ولد عبد المنعم محمد رياض في قرية سبرباي بمحافظة الغربية، وسط أسرة عسكرية، فوالده كان ضابطا في الجيش المصري، وهو ما زرع بداخله حب الانضباط والانتماء منذ الصغر، تفوق في دراسته، فاختار الالتحاق بالكلية الحربية ليتخرج منها عام 1938 برتبة ملازم ثاني في سلاح المدفعية، ومنذ خطواته الأولى في الحياة العسكرية، لوحظ ذكاؤه وتميزه وقدرته الفريدة على التحليل والتخطيط، ولم يكن رياض مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان باحثا عن العلم والمعرفة، فواصل دراسته ليتخرج أيضا في كلية أركان الحرب عام 1944، ثم حصل على دورات تدريبية في إنجلترا والاتحاد السوفييتي، مما أكسبه ثقافة عسكرية واسعة جعلته من أبرز الضباط المصريين في عصره.
شارك عبد المنعم رياض في حرب فلسطين عام 1948 ضمن القوات المصرية، وهناك برزت شجاعته وقدرته على اتخاذ القرار في المواقف الحرجة، وبعد عودته، تقلد عدة مناصب مهمة داخل الجيش المصري، حتى أصبح رئيسا لأركان القيادة العربية المشتركة عقب نكسة يونيو 1967، في وقت كانت الأمة العربية تمر بأصعب مراحلها، لم يكن من النوع الذي يقود من خلف المكاتب، بل كان يؤمن أن القائد الحقيقي يجب أن يعيش مع جنوده في الميدان، يرى ما يرون، ويشعر بما يشعرون، وكان يقول دائما:” لا يمكن أن أُصدر أمرا لجنودي بشيء لا أستطيع أن أفعله بنفسي”، بعد هزيمة 1967، كان عبد المنعم رياض من أبرز الرجال الذين ساهموا في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية من جديد، عمل ليلا ونهارا على تطوير خطط الدفاع، وإعادة الثقة إلى الجنود، ورفع الروح المعنوية التي كانت في أدنى مستوياتها، وفي عام 1968، تم تعيينه رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية، ليبدأ مرحلة جديدة من الإعداد لحرب التحرير.في 9 مارس 1969، خلال حرب الاستنزاف، قرر الفريق عبد المنعم رياض زيارة الجبهة على قناة السويس ليتابع بنفسه نتائج القصف المصري ضد المواقع الإسرائيلية، وقف وسط جنوده في الخطوط الأمامية، يتفقد المواقع، ويستمع إلى القادة الميدانيين، لكن القدر كتب له أن يكون هذا اليوم هو يومه الأخير في الدنيا، وأول أيامه في سجل الخلود، فبينما كان يتفقد موقعا أماميا في منطقة الجبهة بالإسماعيلية، تعرض الموقع لقصف مدفعي كثيف من القوات الإسرائيلية، وأُصيب عبد المنعم رياض إصابة مباشرة أدت إلى استشهاده على الفور، واستشهد القائد وهو في قلب الميدان، وسط جنوده، كما تمنى دائما. لذلك لقب بالشهيد الذي مات في ميدان القتال، وأصبح رمزا خالدا للقيادة التي لا تعرف الخوف، وكان استشهاد عبد المنعم رياض صدمة كبرى للمصريين، فقد رحل القائد الذي أعاد للجيش ثقته بنفسه بعد النكسة، لكن بدلا من أن تضعف هذه الحادثة الروح المعنوية، تحول رحيله إلى شرارة إلهام لكل جندي وضابط، وتحولت ذكراه إلى رمز للتحدي والإصرار على استكمال الطريق، وهو ما أثمر لاحقا في نصر أكتوبر 1973، حين تحقق الحلم الذي بدأه رياض وسعى دائما لتحقيقه.




