dhl
dhl

بين العطور والبخار حمام التلات يعود إلى الواجهة من جديد

القاهرة – نهاد شعبان:

بينما تسير وسط شوارع القاهرة القديمة وتحديدا في حواري بولاق أبو العلا، تجد حمام التلات رمزا لأحد أقدم الحمامات التقليدية في مصر، حيث يعود تاريخ تأسيس هذا الحمام إلى أكثر من 700 عام في عصر المماليك، وما زال حتى اليوم يحتفظ بسحره وجاذبيته، كما أنه يمثل مكانا يجمع بين الاسترخاء والتقاليد والحميمية الاجتماعية.، وعلى الرغم من الحداثة والتغيرات الكبيرة في أسلوب الحياة، إلا أن الحمام استطاع أن يبقى جزءا من الروتين الشعبي للمصريين والزوار على حد سواء، مقدما تجربة فريدة تتجاوز مجرد الاستحمام إلى رحلة ثقافية وتراثية، حيث يُعرف حمام التلات بتاريخه الطويل، وكان يتم فتحه يوم الثلاثاء للنساء فقط، ومن هنا جاءت تسميته، في العصور الوسطى، كان الحمام ملاذًا للتجار والحكام وكبار الشخصيات، فضلا عن كونه مكانا لتبادل الأخبار والأحاديث اليومية، إضافة إلى دوره في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الناس، ومع مرور الوقت، استمر الحمام في تقديم خدماته، محافظا على الطابع التقليدي للعمارة والفن الإسلامي في تصميمه، بما في ذلك القباب المزخرفة والنقوش الحجرية والممرات الضيقة التي تمنح الزائر شعورا بالعودة بالزمن إلى الوراء.

وتختلف تجربة الاستحمام في حمام التلات عن الحمامات الحديثة، حيث تبدأ الزيارة بدخول غرفة تبديل الملابس، ويقوم الزائر بارتداء “الملحفة” التقليدية، يلي ذلك الانتقال إلى غرفة البخار، وهي مرحلة أساسية لتنشيط الدورة الدموية والاسترخاء، ثم تأتي مرحلة التكييس باستخدام الليفة المغربية، وهي طقس قديم يزيل الجلد الميت وينعش البشرة، وأخيرا، يتم التدليك باستخدام زيوت طبيعية وأعشاب مختارة بعناية، لتكمل رحلة الاسترخاء والتجدد، وهذه الطقوس ليست مجرد تنظيف جسدي، بل تعتبر وسيلة لتجديد الطاقة والتخفيف من التوتر النفسي، ورغم تمسكه بالتقاليد، خضع حمام التلات لتحديثات طفيفة لمواكبة متطلبات العصر دون فقدان طابعه التراثي، فقد أُضيفت غرف مجهزة تجهيزا حديثا تحتوي على أنظمة تدفئة متطورة، مع الحفاظ على الجدران الحجرية والقِباب التقليدية، كما أُدخلت خدمات جديدة مثل تنظيف الوجه الطبيعي “فيشال”، جلسات إزالة الشعر التقليدية، واستخدام مستحضرات تجميلية طبيعية للعناية بالبشرة، وهذه التطورات ساعدت الحمام على استقطاب جمهور أوسع، بما في ذلك السياح الذين يبحثون عن تجربة تجمع بين التاريخ والرفاهية.ويعتبر حمام التلات محطة رئيسية في طقوس التحضير للزفاف، حيث تأتي العرائس قبل يوم الزفاف للحصول على جلسات التكييس والتدليك ورسم الحناء، ويجدن في الحمام بيئة مريحة تساعدهن على الاسترخاء والاستمتاع بالتحضيرات للزفاف بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية، هذه العادة ليست مجرد تقليد، بل تعكس مكانة الحمام كجزء من الهوية الاجتماعية والثقافية للمرأة المصرية، وبالقرب من الحمام يوجد سوق شعبي يعرف باسم “سوق حمام التلات”، حيث يمكن للزائرات شراء مستلزمات العروس ومستحضرات التجميل والأدوات المنزلية التقليدية بأسعار مناسبة، ويعد هذا السوق جزءا من التجربة الكاملة، حيث يوفر للزائر فرصة الاستمتاع بجولة تسوقية ممتعة تجمع بين التراث والاحتياجات اليومية، ويعزز من مكانة الحمام كمركز اجتماعي للنساء.ومن جانبهم يشيد الزوار بتجربة الحمام الفريدة، حيث أوضحت إحدى الزائرات:” ذهبت إلى الحمام لأول مرة ووجدت أن كل شيء يحاكي الماضي بطريقة رائعة، وشعرت بالراحة والاسترخاء منذ اللحظة الأولى”، كما أضافت أخرى:” كنت مترددة في البداية، لكن بعد تجربتي، أصبح حمام التلات جزءا من روتيني الشخصي قبل أي مناسبة كبيرة”، ولا يقتصر تأثير الحمام على المصريين فقط، بل أصبح مقصدا للسياح الذين يبحثون عن تجربة ثقافية أصيلة، فتجربة الاستحمام التقليدية، مع التزيين بالزيوت والأعشاب الطبيعية، تعطي السائح فرصة للتعرف على نمط الحياة الشعبي المصري وفن العمارة التقليدي الذي يعكس تاريخ القاهرة العريق.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.