القاهرة – أميرة المحمدي:
لم يكن “الكلاسيكو” الأخير بين برشلونة وريال مدريد مجرد مباراة جديدة في سجل طويل من المنافسة الأبدية بين قطبي الكرة الإسبانية، بل كان انعكاسًا لحالة فنية معقدة يعيشها برشلونة هذا الموسم. رغم الخسارة بهدفين مقابل هدف، فإن الفريق الكتالوني قدم أداءً لا يخلو من اللمحات الإبداعية، لكنه اصطدم بواقع الإصابات، وسوء الحظ، وتفاصيل صغيرة صنعت الفارق.بدأ اللقاء في أجواء جماهيرية مشتعلة، ومعها ظهر برشلونة بأسلوب هجومي واضح، يحاول فرض الإيقاع والاستحواذ على الكرة كما اعتاد. الشاب لامين يامال كان أحد أبرز مفاتيح اللعب، مستعرضًا سرعته ومهاراته في المراوغة وصناعة الفرص. لكن وسط هذا التألق الفردي، افتقد الفريق إلى الفاعلية أمام المرمى، خاصة في ظل غياب المهاجمين البدلاء الذين يمكن الاعتماد عليهم عند الحاجة لتغيير الإيقاع.
ورغم أن ريال مدريد استفاد من واقعية مدربه والقدرات الحاسمة لنجومه مثل جود بيلينجهام وكيليان مبابي، فإن النتيجة لم تعبّر بالضرورة عن مجريات اللقاء. برشلونة صنع أكثر من فرصة محققة، لكن التسرع وغياب الحسم أمام المرمى، إلى جانب التألق الواضح لحارس ريال مدريد، جعلت الكفة تميل لمصلحة الفريق الملكي في اللحظات الأخيرة.الغيابات المتكررة كانت من أبرز العوامل التي أثّرت على برشلونة. غياب بيدري ورافينيا وفرينكي دي يونج عن التشكيلة الأساسية، جعل المدرب يعتمد على لاعبين شباب في مراكز حساسة، ما قلّل من التوازن التكتيكي داخل الملعب. ومع ذلك، فإن الفريق لم يبدُ هشًّا، بل كان متماسكًا ومقاتلًا حتى الدقائق الأخيرة، وهو ما يعكس روحًا جماعية تحسب له.لكن ما أثار الجدل بين الجماهير والمحللين هو أن برشلونة، رغم سيطرته على فترات كبيرة من اللقاء، لا ينجح في ترجمة الأداء إلى نتائج. هناك من يرى أن المشكلة في غياب اللاعب القادر على إنهاء الفرص داخل منطقة الجزاء، وهناك من يُحمّل المسؤولية إلى الإدارة الرياضية التي لم تدعم الفريق بالصفقات المطلوبة في الخط الهجومي خلال الصيف الماضي. ومع ذلك، يبقى الحظ عاملًا لا يمكن تجاهله، فكم من كرة اصطدمت بالقائم أو مرت بجوار المرمى بسنتيمترات قليلة، لتُبدّل مجرى المباراة.المدرب هانز فليك بدا هادئًا بعد المباراة، رغم الإحباط الواضح على وجهه. فالفريق لديه هوية واضحة في اللعب، لكنه يحتاج إلى مزيد من النضج في التعامل مع المباريات الكبرى. الكلاسيكو، كما يراه كثيرون، ليس مجرد اختبار فني، بل اختبار ذهني أيضًا، وبرشلونة لا يزال في مرحلة بناء الثقة بعد مواسم صعبة شهدت تغييرات متكررة في الإدارة الفنية.على الجانب الآخر، أثبت ريال مدريد مرة أخرى قدرته على الحسم في اللحظات الحرجة. فالفريق الملكي لم يكن الطرف الأفضل فنيًا طوال المباراة، لكنه عرف كيف يستغل الفرص القليلة التي أُتيحت له، وهو ما جعل الفارق بين الفريقين في النتيجة لا في المستوى.الخلاصة أن برشلونة خرج خاسرًا من الكلاسيكو، لكنه لم يخرج محطمًا. فالأداء الجيد، والإصرار، واللمحات التي قدمها اللاعبون الشباب، تشير إلى أن الفريق يسير على الطريق الصحيح، حتى وإن كان الحظ لا يبتسم له الآن. وفي كرة القدم، كما في الحياة، لا يكفي أن تلعب جيدًا لتفوز، بل تحتاج إلى لمسة حظ تجعل مجهودك يُترجم إلى انتصار.برشلونة اليوم لا يعيش أزمة أداء، بل أزمة حسم. وإذا استمر بنفس الروح والهوية التي ظهر بها في الكلاسيكو، فقد تكون الهزيمة الأخيرة مجرد خطوة في طريق عودة الفريق إلى مكانه الطبيعي بين كبار أوروبا. فالحظ قد يغيب يومًا، لكن المهارة لا تغيب أبدًا عن فريق اسمه برشلونة.




