القاهرة – أميرة المحمدي:
في لفتة إنسانية راقية تعبّر عن الوفاء والتقدير، تلقّى عالم المصريات الياباني الشهير الدكتور ساكوجي يوشيمورا دعوة فاخرة وخاصة لحضور الافتتاح التاريخي للمتحف المصري الكبير، الحدث الثقافي الأضخم في القرن الحادي والعشرين، والذي تستعد له مصر والعالم خلال الأسابيع القليلة المقبلة. لم تكن الدعوة عادية على الإطلاق، بل جاءت في تصميم فني بديع على هيئة تابوت فرعوني ذهبي مصغّر، وكأنها رسالة رمزية من مصر إلى الرجل الذي عاش عمره في حبها وخدمتها، تقول له ببساطة: “لم ننسَ إخلاصك”.منذ أكثر من أربعين عامًا، جاء يوشيمورا إلى القاهرة شابًا شغوفًا بعلم الآثار، فوقع في غرام حضارة وادي النيل. ومع مرور السنوات، لم يعد مجرد باحث ياباني مهتم بالفرعونية، بل صار جزءًا من تاريخها الحديث، أحد الذين كرّسوا حياتهم لاكتشاف أسرارها وصون تراثها. أحب مصر كأنها وطنه الثاني، وأحبته مصر كأحد أبنائها المخلصين الذين حفظوا ذاكرة الزمن. ويصف هو نفسه علاقته بها بقوله في أحد حواراته القديمة: “كل حجر في مصر يحمل قصة، وكل قصة تجعلني أشعر أني أنتمي إلى هذه الأرض”.ارتبط اسم الدكتور ساكوجي يوشيمورا على مدار عقود بمشروعات أثرية كبرى، لكن أبرزها وأكثرها تأثيرًا في ذاكرة المصريين والعالم كان مشروع مركب خوفو الثانية أو ما يُعرف بمركب الشمس، المركب الخشبي الهائل الذي دُفن بجوار الهرم الأكبر منذ أكثر من 4500 عام. قاد يوشيمورا بنفسه الفريق الياباني الذي تعاون مع وزارة السياحة والآثار المصرية في مهمة معقدة وطويلة لاستخراج المركب وترميمه، مستخدمًا أحدث التقنيات اليابانية في المسح ثلاثي الأبعاد والحفظ الدقيق للخشب القديم الذي تفتت عبر القرون. كان العمل بطيئًا، مرهقًا، ويحتاج إلى صبر عالمٍ يؤمن أن كل قطعة من الخشب تحمل سرًّا من أسرار الماضي. وبعد سنوات من الجهد، نجح الفريق في إعادة المركب إلى الحياة، لتُعرض في المتحف المصري الكبير كأحد أعظم الاكتشافات الأثرية في العصر الحديث.هذا الإنجاز جعل اسم يوشيمورا يُذكر باحترام كبير في الأوساط الأثرية حول العالم. حصل على تكريمات عديدة من مصر واليابان، كان آخرها عام 2023 حين منحته السفارة اليابانية بالقاهرة وسام “رائد المصريات الياباني” تقديرًا لإسهاماته العلمية ودوره في تعزيز التعاون بين البلدين. يومها قال في كلمته: “مصر منحتني معنى لحياتي، وما زلت أتعلم منها كل يوم”. كلمات بسيطة لكنها تلخّص رحلة طويلة قوامها الشغف والإخلاص.ولذلك، لم يكن غريبًا أن يتلقى دعوته الخاصة لحضور افتتاح المتحف المصري الكبير بتلك الطريقة الفخمة والمليئة بالرموز. فالرجل ليس مجرد ضيف على مصر، بل شاهد على تاريخها الحديث، ومساهم في واحد من أهم مشروعاتها الثقافية. حين استلم الدعوة قال للإعلام الياباني إنه انبهر بتصميمها الأنيق وإنه شعر أن مصر تبادله الحب نفسه الذي حمله لها طوال عمره.
وقد تناقلت وسائل الإعلام اليابانية الخبر على نطاق واسع، واصفة يوشيمورا بأنه “الأسطورة الحية لعلم المصريات”، مشيرة إلى أن حضوره افتتاح المتحف هو لحظة فخر لليابان كلها.المتحف المصري الكبير نفسه هو ثمرة تعاون طويل بين مصر واليابان، ليس فقط في التمويل والدعم الفني عبر وكالة التعاون الدولي اليابانية (JICA)، بل في الرؤية المشتركة التي تجمع بين الدقة الشرقية والروح المصرية في الحفاظ على التاريخ. يضم المتحف أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، من بينها كنوز توت عنخ آمون ومركب خوفو الثانية التي كان ليوشيمورا دور حاسم في ترميمها، لتكون شاهدة على الجهد الإنساني والعلمي الذي جمع بين ثقافتين عريقتين من طرفي العالم.قصة يوشيمورا تتجاوز حدود البحث الأكاديمي، فهي قصة حب حقيقية بين إنسان وحضارة. ترك بلاده في أقصى الشرق ليقضي عمره بين الرمال والآثار في صحراء الجيزة، حاملاً الكاميرات والمعدات، يتحدث العربية بلكنة يابانية محببة، يبتسم حين يسمع كلمة “مصر”، ويشعر أن أهراماتها هي بيته. واليوم، وهو يتلقى دعوة افتتاح المتحف المصري الكبير، يبدو كأن الدائرة قد اكتملت: الرجل الذي ساهم في ترميم مركبٍ حمل روح الملك خوفو عبر الزمن، سيقف أمامها في المتحف ليشهد عودتها للحياة من جديد.في أحد تصريحاته الأخيرة قال يوشيمورا: “حين أقف أمام مركب خوفو داخل المتحف المصري الكبير، سأشعر أن الرحلة التي بدأت قبل آلاف السنين لم تنته بعد، إنها تستمر الآن عبرنا”. جملة تلخص عمق العلاقة بين الماضي والحاضر، بين العلم والعاطفة، وبين رجل من اليابان اختار أن يجعل من حب مصر مشروع عمره.وهكذا، لا يبدو أن الدعوة التي وصلته كانت مجرد بطاقة لحضور حدث رسمي، بل كانت بمثابة تكريم رمزي لرجلٍ عاش بين حضارتين، فوحّدهما في قلبه وفي عمله. في يوم افتتاح المتحف المصري الكبير، حين يجلس الدكتور ساكوجي يوشيمورا بين المدعوين في الصف الأول، سيشعر الجميع أن هذا المكان ليس مجرد متحف للآثار، بل جسر من الاحترام الإنساني والامتنان العلمي بين مصر والعالم، وأن هذا الرجل القادم من الشرق البعيد هو أحد أوفى من عبروا عليه.



