القاهرة – نهاد شعبان:
في زمن لم يكن فيه الزي مجرد ملبس، بل هوية وانتماء، كان الطربوش رمزا للأناقة والوجاهة، وعنوانا للرجل المصري المحترم، قطعة قماش حمراء بسيطة في شكلها، لكنها حملت بين خيوطها تاريخا طويلا من الهيبة والسياسة والمكانة الاجتماعية، واليوم وبعد أن اختفى من الرؤوس، بقي الطربوش شاهدا على عصر مضى، وعلى صناعة مصرية أصيلة كانت يوما مفخرة الحرفيين، وتعود أصول الطربوش إلى الدولة العثمانية، حيث انتشر في أواخر القرن الثامن عشر كزي رسمي للجنود والموظفين في البلاط السلطاني، وعندما خضعت مصر للحكم العثماني، تسلل الطربوش إلى شوارع القاهرة والإسكندرية، لكنه لم يصبح رمزا مصريا خالصا إلا في عهد محمد علي باشا “1805 – 1848″، فقد قرر محمد علي أن يجعل من الطربوش الزي الرسمي للجيش والموظفين، بدلا من العمائم التقليدية التي كانت تستخدم آنذاك، وكان الهدف أن يوحد الزي ويضفي على الدولة المصرية طابعا عصريا منظما، فانتشرت الطرابيش بين الضباط والموظفين، ثم انتقلت إلى عامة الناس لتصبح جزءا من الحياة اليومية للمصريين.
ولم يكن الطربوش مجرد غطاء للرأس، بل كان رمزا للهيبة والمقام، كان الرجل لا يخرج من بيته بدونه، ولا يتصور أن يجلس في مجلس رسمي أو مناسبة عامة دون أن يضعه فوق رأسه، وأصبح الطربوش علامة على الانضباط والأناقة، فكان يرتديه القضاة والضباط والموظفون، وحتى طلاب المدارس في بعض الفترات، وفي الأفراح والمناسبات الاجتماعية، كان وجود الطربوش على الرأس دلالة على الاحترام والمكانة، أما في الحياة السياسية، فقد تحول الطربوش إلى رمز وطني في مواجهة النفوذ الأجنبي، خاصة خلال فترة الاحتلال البريطاني، فبينما كان الإنجليز يفضلون القبعات الأوروبية، تمسك المصريون بالطرابيش باعتبارها رمزا للهوية الشرقية والاستقلال، لذلك لم يكن غريبا أن نرى صور الزعماء المصريين الكبار مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس وعبد الخالق ثروت، جميعهم يرتدون الطربوش في المؤتمرات واللقاءات الرسمية، وكانت صناعة الطربوش حرفة دقيقة ومعقدة تحتاج إلى مهارة عالية، حيث كانت الورش تنتشر في مناطق مثل السبتية والحسين والغورية، ويعمل فيها الحرفيون يدويا بخيوط الصوف واللباد والحرير، ويصنع الطربوش عادة من لباد الصوف الأحمر الذي يجلب من الخارج أو يصنع محليا، ويشكل على قالب خشبي دائري، ثم يبطّن من الداخل بالقماش الأبيض ويثبت عليه “الشرابة” السوداء الشهيرة التي تتدلى من أعلاه.وكانت لكل طبقة من المجتمع طربوشها الخاص، فالأمراء والوزراء كانت تصنع لهم طرابيش من أجود أنواع اللباد والحرير، بينما يكتفي عامة الناس بطربوش أبسط وأقل تكلفة، كما كان هناك حرفيون متخصصون في ترميم الطرابيش وتنظيفها وإعادة صبغها، وهو ما جعلها مصدر رزق لعشرات الأسر، وقد شهدت مصر في أوائل القرن العشرين نهضة في صناعة الطرابيش، حتى إن مصانعها كانت تصدر إلى بلاد الشام والمغرب العربي، وكان من أشهر المصانع مصنع الطرابيش الملكي الذي أنشأه الخديوي إسماعيل في القاهرة لتلبية احتياجات البلاط والجيش، ولم يغب الطربوش عن الفن المصري، بل كان عنصرا أساسيا في الهوية البصرية للسينما والمسرح، وظهر في أفلام الأبيض والأسود على رؤوس كبار النجوم مثل نجيب الريحاني ويوسف وهبي وأنور وجدي، وأصبح رمزا للرجل الأنيق المثقف، كما ظهر في الكاريكاتير والرسوم الصحفية ليمثل الموظف المصري الكلاسيكي، أو الأفندي صاحب البدل الأنيقة واللغة العربية ، وفي الوقت نفسه، كان الطربوش وسيلة للسخرية الاجتماعية أحيانًا، كما في مسرحيات الريحاني التي انتقد فيها التمسك بالمظاهر الزائفة.



