القاهرة – أميرة المحمدي:
على بُعد خطوات قليلة من هدوء أهرامات الجيزة، حيث يتشابك الماضي العميق مع الحاضر، يقف صرحٌ ضخم يُعدّ الأكبر من نوعه في العالم لعرض حضارة واحدة، إنه المتحف المصري الكبير. هذا المشروع الذي طالما شكّل حلمًا ورسالة لمصر، يوشك على أن يتحول إلى حقيقة حية في القاعة العالمية للثقافة والتاريخ.بدأت الرحلة منذ سنوات طويلة، حين وضعت حجر الأساس للمتحف، ثم مرت بمرحلة بناء ضخمة، نقل آثار وكنوز لا تحصى، حتى دخلت في فترة “التشغيل التجريبي”. أما اليوم، فالموعد الرسمي قد اقترب: تم تحديد بداية نوفمبر 2025 للتدشين الرسمي، بعد أن أعلنت وزارة السياحة والآثار أنّه سيتم إغلاق المتحف مؤقتًا من 15 أكتوبر وحتى 4 نوفمبر لاستكمال التجهيزات النهائية. المتحف يعكس رغبة مصر في أن تعرض للعالم نقلة نوعية في عرض تراثها، ليس كمجموعة متفرقة من القطع الأثرية، بل كمشروع حضاري يربط بين الجذور القديمة ومستقبل السياحة والتنمية. يمتد المتحف على مساحة هائلة، ويضم آلاف القطع التي ستُعرض لأول مرة معًا – من بينها كنوز الملك توت عنخ آمون بالكامل في قاعات مصمّمة خصيصًا لهذا الغرض. التأثير المحتمل لهذا المشروع لا يقتصر على الجانب الثقافي وحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. فوزارة السياحة تنظر إليه كرافعة لتدشين حقبة جديدة من السياحة الثقافية التي تعتمد على الجودة والتجربة وليس الكم فقط، في وقت تشهد فيه مصر تراكمًا للفرص والمشاريع. كما أن ربط المتحف بمنطقة الأهرامات والموقع الجغرافي يسهم في تعزيز قيمة الوجهة السياحية بأكملها.
لكن ليس كل شيء كان سلسًا: فقد شهد المشروع تأخيرات عدة، كان أبرزها تأجيل الافتتاح الرسمي إلى الربع الأخير من 2025، بسبب «تطورات إقليمية» وتأثيرها على توقيت الحفل العالمي. هذا التأجيل لا يقلل من الأهمية، لكنه يرسم صورة للمسار المعقّد لإدارة مشروع بهذا الحجم تحت ضغط التحديات اللوجستية والسياسية.من الناحية البشرية، يفتح المتحف آفاقًا متنوعة: للباحثين، للمصمّمين، للكوادر المحلية، وللسياحة الثقافية العميقة. فهو لن يكون مجرد معرض ثابت، بل فضاء للتعليم، للتفاعل، وربما للتحول إلى مركز جذب عالمي. تُعدّ المختبرات والمعامل والترميم التي يضمها جزءًا من هذا الطموح، فالمتحف يُوفّر رؤية شاملة لعملية حفظ التراث وإتاحته للعالم. وتحت ضوء الأهرامات، يتجسّد هذا المشروع كرمز للهوية المصرية: تاريخ يمتد لآلاف السنين يُعرض بطريقة حديثة ومتطوّرة، في حين تُمنح مصر الفرصة لتقول للعالم: “إرثنا حي، وتجربتنا قائمة على التقدم والمشاركة”. لكن السؤال الذي يظلّ مطروحًا أمام الجميع: هل سينجح هذا المتحف في أن يكون أكثر من مكان للزيارة؟ هل سيكون فعلاً منبرًا للتجربة الثقافية والمعرفة والابتكار؟في اللحظة التي تتهيّأ فيها الأضواء للانطلاق، يعيش المشروع تحديًا مزدوجًا: أن يُلائم الزوّار المحليين والعالميين في آن، وأن يحافظ على الأصالة والروح المصرية في زمن تتقدم فيه التكنولوجيا وتتغيّر تجربة السياحة. وإذا نجحت القاهرة في ذلك، فإن المتحف المصري الكبير لن يكون فقط معلمًا، بل علامة فارقة في دورة جديدة لحضارة مصر.وبين الأهرامات القديمة وصخب البناء الحديث، تفتح صفحة جديدة… صفحة تقول إن مصر تستشرف المستقبل ولكنها لا تنس جذورها. يوم الافتتاح، ليس مجرد احتفال، بل إعلان دخول هذا التراث إلى عصر التجربة العالمية، حيث يُرى ويُفهم ويُحترم.




