dhl
dhl

عمار… صرخة صامتة من قلب الزحام: التوحّد في مصر بين الفهم والاحتواء

القاهرة – أميرة المحمدي:

في أحد عربات المترو المزدحمة، كان صبي لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره يحمل بضع علب بسكويت صغيرة. كان صوته خافتًا، وكلماته تتلعثم قليلاً، لكنه بدا مصممًا أن يُكمل جولته القصيرة بين الركاب. لم يكن أحد يعلم أن هذا الصبي يُدعى عمار، وأنه مصاب باضطراب طيف التوحّد.في البداية، لم يلتفت إليه كثيرون، فالعين اعتادت مشاهد الباعة الجائلين في المواصلات العامة. لكن الموقف انقلب حين حاول بعض الركاب منحه المال دون أن يأخذوا البسكويت، فرفض بشدة، ثم بدأ يتوتر ويدور في مكانه، قبل أن يُخرج النقود التي جمعها ويوزعها على من اشتراها منه، ثم ألقى العلب الباقية ودخل في نوبة صعبة من البكاء والارتباك. لم يعرف أحد كيف يتعامل معه، ولا كيف يُهدئه.كان المشهد مؤلمًا وصامتًا في الوقت نفسه. مشهدٌ يعكس فجوةً عميقة في وعي المجتمع بمرض التوحّد، وفي قدرتنا على التعامل مع من يعيشون داخله كل يوم دون أن يشعر بهم أحد.اضطراب طيف التوحّد ليس مرضًا بالمعنى التقليدي، بل هو حالة عصبية ونمائية تُؤثر على التواصل والسلوك وطريقة فهم العالم. يُظهر الأطفال المصابون به أنماطًا مختلفة من التواصل الاجتماعي، فقد لا يتحدثون كثيرًا، أو يعانون من صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، لكنهم يمتلكون قدرات مدهشة في مجالات أخرى كالحفظ، أو الحساب، أو الرسم.تبدأ ملامح الاضطراب في الظهور عادة في السنوات الأولى من عمر الطفل؛ تأخر في النطق، ضعف في التواصل البصري، انغلاق على الذات، وتكرار حركات أو أنماط سلوك معينة. وغالبًا ما تمر هذه الإشارات الأولى دون انتباه من الأهل الذين يظنون أن طفلهم «هادئ بطبعه» أو «يتأخر قليلًا في الكلام». لكن مع مرور الوقت يتضح أن هناك اختلافًا جوهريًا في طريقة الطفل في التفاعل مع العالم. وهنا تبدأ رحلة البحث عن التشخيص، وهي رحلة مؤلمة في كثير من الأحيان بسبب نقص المراكز المتخصصة وارتفاع تكاليف العلاج السلوكي والنطق.ومع أن التوحّد لا يُعالج بشكل نهائي، فإن التدخل المبكر يحقق نتائج إيجابية مدهشة. العلاج السلوكي، وتدريب المهارات الاجتماعية، وتنمية التواصل غير اللفظي، تساعد الأطفال على تحسين حياتهم اليومية بشكل كبير. في بعض الحالات، يتمكن المصابون من الدراسة والعمل والاعتماد على أنفسهم نسبيًا، وهو ما يجعل الأمل ممكنًا رغم صعوبة الطريق.لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في العلاج، بل في نظرة المجتمع. فالكثير من الأسر تخفي وجود طفل مصاب خوفًا من نظرات الآخرين، أو بسبب مفاهيم خاطئة تربط التوحّد بالجنون أو الإعاقة الذهنية، رغم أن أغلب الأطفال المصابين يمتلكون قدرات عقلية طبيعية، وبعضهم يتمتع بذكاء فائق في مجالات محددة مثل الحساب، الموسيقى، أو الرسم. هذه الصور النمطية تُعمّق عزلة الأسر وتضاعف معاناتها، في وقتٍ تحتاج فيه إلى الدعم الاجتماعي قبل الطبي.في مصر، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن واحدًا من كل 160 طفلًا قد يكون على طيف التوحّد، بينما لا تتوفر إحصاءات دقيقة على المستوى الوطني، ما يجعل الكثير من الحالات غير مكتشفة أو غير مُشخّصة مبكرًا. وتُعد مرحلة التشخيص المبكر أهم ما يمكن أن يغير مستقبل الطفل، فكل عام تأخير يعني فجوة أكبر في قدرته على الاندماج.

ورغم وجود مراكز متخصصة في القاهرة وبعض المحافظات، إلا أن معظمها باهظ التكلفة، ويعتمد على المبادرات الفردية أو الدعم الأهلي. الأسر ذات الدخل المحدود تعاني بشدة من تكاليف الجلسات التأهيلية والعلاج السلوكي، والتي قد تتجاوز آلاف الجنيهات شهريًا.المدارس بدورها لا تزال غير مهيأة بالكامل لاستقبال الأطفال من ذوي التوحّد. هناك جهود بدأت في السنوات الأخيرة لتطبيق برامج “الدمج” في التعليم الحكومي، لكن التنفيذ على الأرض يواجه تحديات كبيرة، من نقص الكوادر المتخصصة إلى ضعف الوعي العام. كثير من الأسر تختار عزل أطفالها عن المجتمع لتجنب التنمر أو الإحراج، وهو ما يجعل هؤلاء الأطفال يعيشون في دوائر مغلقة من العزلة والقلق.تجربة “عمار” في المترو لم تكن حالة فردية. هي مرآة لحياة آلاف الأطفال والمراهقين الذين يعيشون في مدننا وقرانا، يحاولون أن يكونوا مثل غيرهم، لكن المجتمع لا يمنحهم الفرصة. المشهد القصير الذي بدأ ببيع بضع علب بسكويت، وانتهى بنوبة خوف، يُلخّص كيف يُمكن لسوء الفهم أن يتحوّل إلى أزمة إنسانية.اليوم، يزداد الحديث عالميًا عن دمج مرضى التوحّد في الحياة العامة، من التعليم إلى سوق العمل. وهناك دول تخصص برامج لتوظيف المصابين بالتوحّد في مجالات تتناسب مع قدراتهم العالية على التركيز والدقة. في المقابل، يحتاج المجتمع المصري إلى حملة وعي وطنية حقيقية، تُعلّم الناس كيف يتعاملون مع هذه الحالات في الأماكن العامة، وفي المدارس، وحتى في البيوت.فالتوحّد ليس عيبًا، ولا وصمة. هو اختلاف في طريقة الإدراك والتواصل، يحتاج إلى بيئة متفهمة، لا إلى شفقة أو خوف. كل طفل مثل “عمار” يستحق أن يجد من يفهم لغته الخاصة، لا من يهرب من صمته.ربما لم يعرف ركّاب المترو كيف يُهدئون عمار في تلك اللحظة، لكنهم جميعًا حملوا معهم مشهدًا يصعب نسيانه… مشهدٌ يدفعنا للتساؤل: كم “عمار” بيننا لا نراه، وكم مرة مرّ بجوارنا أحدهم يبحث فقط عن احتواء، لا عن صدقة؟

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.