dhl
dhl

«من المتفرج إلى الفاعل».. كيف تحوّلت مصر من المشاركة إلى المبادرة في الأمم المتحدة

القاهرة – أميرة المُحمّدي:

منذ انضمام مصر إلى منظمة الأمم المتحدة عام 1945، كانت دائمًا حاضرة في القاعة الكبرى، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا لافتًا في طبيعة هذا الحضور. لم تعد القاهرة تكتفي بالمشاركة الرمزية أو التصويت في القرارات الدولية، بل أصبحت طرفًا فاعلًا يسعى إلى صياغة المبادرات والتأثير في مسارات النقاشات الكبرى التي تمس الأمن والسلم والتنمية على مستوى العالم.في مشهد السياسة الدولية المزدحم بالأزمات والحروب، برز الدور المصري بوضوح في ملفات عدة، خصوصًا تلك المتعلقة بالشرق الأوسط وإفريقيا. فمن القضية الفلسطينية إلى الأزمات المناخية والهجرة، ومن إصلاح بنية الأمم المتحدة إلى المشاركة في بعثات حفظ السلام، تحاول القاهرة أن تقدم نفسها باعتبارها صوتًا متزنًا يجمع بين الشرعية التاريخية والدبلوماسية الهادئة. هذه العودة إلى المبادرة لم تأتِ صدفة، بل جاءت نتاج رؤية سياسية تدرك أن مكانة الدولة في النظام الدولي تُقاس بقدرتها على اقتراح الحلول لا الاكتفاء بردود الفعل.في ملف غزة مثلًا، لعبت مصر دور الوسيط المحوري بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه نقلت القضية إلى قاعات الأمم المتحدة ليس بصفتها دولة جوار فقط، بل كدولة ترى أن استقرار المنطقة مرتبط بتحقيق تسوية عادلة وشاملة. وقد أصبح هذا الموقف المصري واضحًا في الجلسات الطارئة التي عقدها مجلس الأمن والجمعية العامة خلال السنوات الماضية، حيث تحرص القاهرة على التمسك بحل الدولتين ورفض التهجير القسري للفلسطينيين. هذا النهج جعلها وسيطًا موثوقًا من الأطراف المختلفة، وصوتًا مسموعًا في النقاشات الأممية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي.أما في القارة الإفريقية، فمصر التي عادت بقوة إلى عمقها الإفريقي بعد سنوات من الانشغال، أصبحت اليوم تتحدث باسم القارة في عدد من الملفات الدولية. خلال قمم الأمم المتحدة حول التنمية المستدامة والتغير المناخي، مثّلت القاهرة هموم إفريقيا من موقع الفعل لا من موقع الشكوى. واستطاعت من خلال استضافتها لمؤتمر المناخ (COP27) في شرم الشيخ أن تضع نفسها في مقدمة الدول النامية التي تسعى لربط العدالة البيئية بالعدالة الاقتصادية. فالقاهرة لم تطرح قضايا المناخ فقط من زاوية بيئية، بل قدّمتها كقضية تنموية تمس حق الدول الإفريقية في النمو والوصول إلى التمويل الدولي العادل.وفي الوقت ذاته، تتعامل مصر مع الأمم المتحدة كمنبر لتعزيز رؤيتها في مكافحة الإرهاب والتطرف، وهي ملفات تشكل جزءًا رئيسيًا من سياستها الخارجية. فخطاباتها في مجلس الأمن ولجان مكافحة الإرهاب لم تعد تقتصر على التنديد، بل تتضمن طرح آليات للتعامل مع جذور الظاهرة من خلال التنمية والتعليم وتجديد الخطاب الديني. هذا البعد الإنساني في المقاربة المصرية منحها مصداقية أكبر داخل المنظمة، خصوصًا بين الدول التي تبحث عن حلول غير عسكرية لتحديات الأمن.لكن الدور المصري في الأمم المتحدة لا يقف عند حدود الملفات الإقليمية. فالقاهرة باتت تسعى إلى توسيع حضورها في مؤسسات المنظمة ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي. ومن خلال مشاركتها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تطرح مقترحات لتعزيز التعاون بين الجنوب والجنوب، وتنمية القدرات في مجالات التكنولوجيا والطاقة. كما تعمل على دعم مبادرات الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة والشباب، وهي قضايا ترى فيها الدولة المصرية ركيزة لبناء مجتمع أكثر استقرارًا وتوازنًا.

في السنوات الأخيرة، اتخذت القاهرة مسارًا جديدًا يقوم على فكرة “الدبلوماسية المتعددة الأبعاد”، أي الجمع بين التحرك السياسي والاقتصادي والثقافي في آن واحد. فحين تتحدث مصر في الأمم المتحدة اليوم، فهي لا تتحدث فقط باسم دولة في الشرق الأوسط، بل باسم حضارة تمتد لآلاف السنين، وباسم شعب يسعى لتقديم نموذج للتوازن في عالم منقسم.وإذا كانت الأمم المتحدة قد عُرفت طويلاً بأنها ساحة للصراع بين القوى الكبرى، فإن الدور المصري فيها أصبح مثالًا على حضور دولة متوسطة الحجم ذات تأثير عابر للحدود. فهي تحاول أن تحافظ على استقلالية قرارها السياسي، وفي الوقت نفسه تبني جسورًا مع كل الأطراف. هذا التوازن بين المبدأ والمرونة هو ما يمنح الدبلوماسية المصرية طابعها الخاص.لم يعد حضور مصر في الاجتماعات الدولية مجرد مشاركة بروتوكولية، بل مشاركة تترك أثرًا. فمن خلال البعثة الدائمة في نيويورك، أصبحت القاهرة طرفًا في صياغة قرارات تتعلق بالتنمية، والمناخ، وتمكين المرأة، وحقوق الدول النامية في النظام الاقتصادي العالمي. كما تسعى إلى أن تكون همزة الوصل بين العالم العربي والقارة الإفريقية داخل أروقة المنظمة، مستفيدة من موقعها الجغرافي والسياسي في آن واحد.في النهاية، يمكن القول إن مصر لم تعد تكتفي بأن تكون «عضوًا» في الأمم المتحدة، بل أصبحت «شريكًا» في صياغة مسارها. فبينما تنشغل بعض الدول في الدفاع عن مصالحها الضيقة، تحاول القاهرة أن تقدّم نموذجًا قائمًا على الحوار والاحترام المتبادل، مستندة إلى تاريخ طويل من العمل الدبلوماسي والقدرة على بناء التوافقات.إن تحوّل مصر من المشاركة إلى المبادرة في الأمم المتحدة لا يعكس فقط نضجًا في رؤيتها الخارجية، بل يعيد إليها صورتها كدولة تملك صوتًا مؤثرًا في القضايا العالمية، وتعرف متى تتحدث، ومتى تُصغي، ومتى تتحرك بخطوات تترك أثرًا في العالم من حولها.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.