dhl
dhl

«حتشبسوت… الملكة التي ارتدت زي الرجال لتكتب تاريخها بيدها»

القاهرة – أميرة المحمدي:

في قاعة الملوك داخل المتحف المصري الكبير، حيث تصطف التماثيل في صمتٍ يليق بالعظمة، يلفت النظر تمثال مهيب لامرأة ترتدي التاج الملكي وتجلس في وقارٍ يليق بفرعون، لكن من يقترب قليلًا يدرك المفارقة: الملامح أنثوية رقيقة، بينما الجسد يرتدي الزي الرجولي الكامل. إنها حتشبسوت، الملكة التي قررت أن تكسر القاعدة وتعتلي عرش مصر كملكٍ لا كملكة، لتصبح واحدة من أعظم الشخصيات التي عرفها التاريخ القديم، وأعقدها في الوقت نفسه.وُلدت حتشبسوت في مطلع القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ابنة للملك تحتمس الأول، وتزوجت من أخيها غير الشقيق تحتمس الثاني، كما كانت العادة الملكية في ذلك العصر لتثبيت نقاء السلالة. وعندما توفي زوجها، ترك العرش لطفلٍ صغير من زوجةٍ أخرى هو تحتمس الثالث، فصارت حتشبسوت وصيةً على العرش باسمه. لكنها لم تكتفِ بدور الحامية، بل رأت في نفسها أهلًا للحكم، فارتدت زي الرجال، ووضعت اللحية الاصطناعية، وأعلنت نفسها فرعونًا كامل السلطة، تحكم البلاد باسمها هي.كان قرارها صادمًا في زمنٍ لم يعرف أن تتولى امرأة مقاليد الحكم، لكنه كان أيضًا دليلًا على جرأتها النادرة وإيمانها بأن الكفاءة لا تُقاس بالجنس. ولعل أكثر ما يدهش المؤرخين أن فترة حكمها، التي استمرت أكثر من عشرين عامًا، كانت واحدة من أكثر فترات الاستقرار والازدهار في تاريخ مصر القديمة. لم تكن حتشبسوت محاربة بالمعنى العسكري، لكنها كانت قائدة سلامٍ وبناء، أعادت تنظيم الدولة، وازدهرت في عهدها التجارة والفنون والعمارة إلى حدّ لم يعرفه الملوك الذين سبقوها.في عهدها، خرجت مصر بحملات تجارية ضخمة إلى بلاد بونت (التي يُعتقد أنها في الصومال الحالية)، وعادت منها السفن محمّلةً بالبخور والعاج والذهب والأخشاب النادرة، ما جعلها تُلقّب بـ«ملكة الرخاء». وقد خلدت تلك الرحلة في نقوشٍ ساحرة على جدران معبدها في الدير البحري بالأقصر، حيث رُسمت مشاهد السفن وهي تمخر البحر في موكبٍ مهيب، وكأنها أرادت أن تقول للتاريخ: “أنا لم أغزُ البلاد بالسيف، بل بالسلام والتجارة”.أما المعبد الذي بنته لنفسها، فهو تحفة معمارية لا تزال تبهر العالم حتى اليوم. يقع معبد حتشبسوت في قلب جبلٍ صخري يطل على وادي الملوك، وقد صُمم بطريقة هندسية مدهشة تدمج الجبل بالبناء في انسجامٍ نادر. صعدت مدرجاته بصفوف من الأعمدة البسيطة التي تُشبه جناحين مفتوحين نحو السماء، وكأن المعبد نفسه يرفعها إلى الخلود. وقد وُصف هذا المعبد بأنه أول عمل معماري “حديث” في تاريخ الإنسان، يجمع بين الجمال والدقة والرمزية.

في المتحف المصري الكبير، تُعرض مقتنيات حتشبسوت في قسمٍ خاص يضم تماثيلها المتعددة التي حاولت من خلالها أن تُوازن بين أنوثتها وسلطتها. فبعضها يظهرها كامرأة ترتدي ثوبًا ملكيًا، وبعضها يصوّرها كفرعونٍ كامل باللحية والتاج. هذا التناقض لم يكن محاولةً لإخفاء هويتها، بل كان تعبيرًا عن إدراكها العميق لمعنى السلطة: أن الملك لا يُعرّف بجسده بل بما يفعله لشعبه.يقول الدكتور حسام عبد العليم، الباحث في علم المصريات: «حتشبسوت لم تكن ملكة تبحث عن لقب، بل امرأة آمنت أن الحكم رسالة. لقد واجهت معارضةً من الكهنة والنبلاء، لكنها استخدمت الذكاء والحنكة لتثبت أن مصر يمكن أن تُقاد بالعقل لا بالعنف». ويضيف: «ربما لهذا السبب حاول من جاء بعدها، وعلى رأسهم تحتمس الثالث، أن يمحو آثارها من المعابد والنقوش، خشية أن تظل شاهدة على تفوق امرأةٍ على الرجال».ورغم محاولات طمس اسمها، بقيت حتشبسوت حاضرة، كأن التاريخ نفسه رفض أن ينساها. وبعد آلاف السنين، حين عُثر على موميائها في مقبرة مجهولة بالأقصر عام 2007، تعرّف العلماء عليها من ضرسٍ صغير كان محفوظًا في صندوق مكتوب عليه اسمها، لتعود إلى الضوء من جديد بعد ثلاثة آلاف عام من الغياب. كانت المفارقة أن الاكتشاف جاء في زمنٍ صارت فيه المرأة أكثر قدرة على إعلان ذاتها، وكأن القدر اختار أن تُبعث حتشبسوت في عصرٍ يُنصفها أخيرًا.الزائر الذي يقف اليوم أمام تمثالها في المتحف لا يرى مجرد ملكة حكمت مصر، بل امرأة قاومت فكرة أن يُحدّدها أحد، أن تُختزل في صورة أو دور. ملامحها في الحجر تبدو صارمة، لكنها في العمق تحكي قصة عن الإرادة، عن امرأةٍ أرادت أن تُثبت أن العظمة لا تحتاج إلى إذن. وفي نظرتها الهادئة تختبئ رسالةٌ إلى كل زمن: أن السلطة الحقيقية هي أن تكتب تاريخك بيدك، لا أن تُنتظر من يكتبه عنك.حتشبسوت لم تكن فقط أول امرأة تجلس على عرش الفراعنة، بل أول من جعل من الحكم عملًا فنيًا وجماليًا، يمزج بين القوة والعقل، بين الطموح والجمال. لقد حكمت مصر بثوب الرجال، لكنها صنعت مجدها بروح امرأةٍ تعرف تمامًا قيمتها. وفي المتحف المصري الكبير، حيث يجتمع الملوك تحت سقفٍ واحد، يبدو وجهها مختلفًا — فيه صرامة الملوك ورهافة الأنوثة، وكأنها لا تزال تهمس للحجر والهواء والزوار: “أنا لم أكن استثناءً في زمن الرجال، كنت البداية التي لم يفهمها أحد.”

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.