القاهرة – أميرة المحمدي:
في قاعةٍ مضاءة بإضاءةٍ خافتة داخل المتحف المصري الكبير، يطلّ وجه الملكة نفرتيتي من وراء الزجاج كأنه لا يزال حيًا، يراقب الزائرين بعينيه الزرقاوين الدقيقتين. لا يبدو التمثال مجرد قطعة فنية من حجر ملوّن، بل كائنًا من لحمٍ ودم، يحمل في ملامحه مزيجًا من الكبرياء والرقة، من الغموض والسكينة، وكأن الزمن توقّف احترامًا لهذه المرأة التي استطاعت أن تحفر اسمها في التاريخ الإنساني كرمز للجمال والحكمة والقوة.نفرتيتي، التي يعني اسمها «الجميلة أتت»، لم تكن فقط زوجة الفرعون إخناتون، بل كانت شريكته في الحكم والفكر والدين. في زمنٍ شهد ثورة فكرية غير مسبوقة، كانت هي إلى جانبه في مشروعه لتوحيد العبادة في الإله الواحد «آتون»، رافعة رأسها إلى الشمس التي كانت بالنسبة لهما مصدر الخلق والنور والحياة. كانت ترافقه في الطقوس، وتظهر إلى جواره في النقوش، مساوية له في الحجم والهيبة، في إشارة غير معتادة لامرأة في تاريخ الفراعنة.لكن وراء هذا الحضور المهيب، كانت هناك قصة إنسانية أكثر عمقًا. فالملكة التي قادت مصر إلى مرحلة فكرية جديدة كانت أيضًا أمًّا لست فتيات، وزوجةً لملكٍ واجه مقاومة عنيفة من كهنة آمون، وصاحبة قرارٍ في زمنٍ لم يكن فيه للنساء صوتٌ يُسمع في السياسة أو الحكم. كانت نفرتيتي تعرف أن طريقها محفوف بالمخاطر، لكنها اختارت أن تكون رمزًا للتغيير، وأن تترك أثرها لا في البلاط الملكي فحسب، بل في الذاكرة الإنسانية جمعاء.عندما رحل إخناتون، طُويت صفحة الثورة الدينية، وعاد الكهنة إلى سلطتهم القديمة، بينما اختفت نفرتيتي من المشهد فجأة. لم يُعرف مصيرها بدقة، واختلفت الآراء حول ما إذا كانت قد حكمت مصر بنفسها بعد وفاة زوجها، تحت اسمٍ آخر هو «سمنخ كارع»، أم أنها انسحبت في صمتٍ تاركةً خلفها ميراثًا من الجمال والدهشة. ومع ذلك، ظل وجهها — المنحوت في الحجر الجيري الملوّن — حاضرًا كأنها لم ترحل قط.التمثال الذي يُعرض اليوم في المتحف المصري الكبير نسخة طبق الأصل عن الأصل الموجود في متحف برلين، وهو عمل فني يُعد من أروع ما أنتجته يد الإنسان عبر العصور.

في ملامحه تفاصيل دقيقة تكشف عن عبقرية النحت المصري القديم: الشفاه الرقيقة، والأنف المستقيم، والعينان الواسعتان اللتان تعكسان حضورًا أنثويًا ساحرًا. هذا التمثال ليس مجرد تصوير لجمالٍ خارجي، بل هو توثيق لروحٍ متفردة، لامرأة جمعت بين الجمال والسلطة، وبين الرقة والقوة.في المتحف، يقف الزوار طويلًا أمام تمثالها، بعضهم يلتقط الصور، وآخرون يكتفون بالتأمل الصامت. وكأن كل واحدٍ منهم يحاول أن يفهم سر هذا الجمال الذي تجاوز حدود الزمن. يقول أحد الزائرين بصوتٍ خافت: «هي لا تشبه أحدًا… كأنها خرجت من الحلم». وفي هذا القول البسيط تكمن حقيقة نفرتيتي؛ فهي ليست فقط ملكة من الماضي، بل رمز خالد لأنوثةٍ لا تُختزل، ولسحرٍ لم يبهت رغم مرور آلاف السنين.تُشير الدكتورة منى البدوي، الباحثة في علم المصريات، إلى أن تمثال نفرتيتي يمثل لحظة نادرة في التاريخ الفني لمصر القديمة، إذ خرج الفنان المصري فيه عن القوالب التقليدية ليجعل من وجه الملكة مرآة للروح قبل الجسد. وتضيف: «ربما لم تكن نفرتيتي أجمل نساء العالم فحسب، بل كانت أكثرهن وعيًا بقيمة الجمال نفسه كقوةٍ ناعمة تُغيّر الواقع».من خلال عرض التمثال داخل المتحف الكبير، أرادت مصر أن تُعيد تقديم نفرتيتي للعالم في سياقها الحقيقي: امرأة مصرية قادت فكرًا، ودافعت عن رؤية، وأصبحت رمزًا للجمال الواعي لا المظهر السطحي. فالمتحف لم يضعها في قاعة الزينة، بل في قلب قاعات التاريخ، كأنها تقول للزوار: «أنا لست تمثالًا، أنا حكاية وطنٍ عرف معنى الجمال قبل أن يُعرّفه العالم».ومثلما خرج توت عنخ آمون من أعماق وادي الملوك ليُعيد للعالم شغفه بالحضارة، عادت نفرتيتي لتذكّر الناس بأن الجمال الحقيقي لا يُقاس بالملامح بل بالبصمة التي تتركها الروح في التاريخ. وبين القناع الذهبي لتوت عنخ آمون ووجه نفرتيتي الملوّن، تتشكل في المتحف المصري الكبير ثنائية مدهشة: الملك والملكة، الحياة والموت، الذكورة والأنوثة، الماضي والحاضر — كلها تتقاطع في مكانٍ واحد يعيد سرد الحكاية المصرية في أبهى صورها.وعندما يغادر الزائر القاعة، يبقى في ذهنه وجهها الهادئ المائل قليلًا إلى الجانب، كأنها لا تزال تبتسم للدهر الذي حاول أن يطويها، لكنها — كما كانت دائمًا — انتصرت عليه. فالجمال الذي حمل اسمها لا يزال حتى اليوم يُلهم الفنانين، ويذكّر العالم بأن مصر، منذ آلاف السنين، كانت ولا تزال مهدَ الجمال الإنساني الأول.


