dhl
dhl

مارك إدموندسون يكتب: الازدواجية حين تَسود كلَّ شيء

تعج الثقافة الأميركية بالازدواجية، فالولايات المتحدة بها حزبان رئيسيان فقط، وهما في صراع لا ينتهي. ويبدو أن الانقسام الأميركي يزداد عمقاً، فقد أظهر استطلاع رأي جديد أجرته صحيفة «نيويورك تايمز»، بالتعاون مع معهد أبحاث «سيينا» في نيويورك، زيادةً حادةً في عدد الأشخاص الذين يعتقدون أن أميركا منقسمة للغاية بحيث لا تستطيع حل مشاكلها.ربما لم نكن بحاجة إلى استطلاع رأي لكي ندرك ذلك. انظر حولك فحسب، ستجد أن التفكير الثنائي، الذي يُثير غضباً ثنائياً، منتشر في كل مكان في البلاد. وعندما قُتل تشارلي كيرك، الشهر الماضي، سارع البعض لإيجاد أدلة على تشدده اليميني. وعبر المعلق السياسي في شبكة «سي إن إن»، فان جونز، عن الموقف بكلمات مُعبرة حين قال: «شعرتُ بخيبة أمل من أعضاء حزبي الذين رشقوا الجثة بالحجارة قبل دفنها».لقد كان كيرك في الفريق الآخر، وفي التفكير الثنائي الأميركي، كان ذلك يعني أنه عدو! وفي حفل تأبين كيرك، قال الرئيس دونالد ترامب إنه كان يختلف مع كيرك، فالأخير لم يكره خصومَه، بل أراد لهم الأفضل، لكن ترامب نفسه يضع كلَّ شيء تقريباً في إطار الثنائيات، حيث قال: «إن لم تكن صديقاً، فأنت عدو. وإن كنتَ عدواً، فلن تكون صديقاً أبداً».وقد يقول عالم أحياء اجتماعي إن هذا النمط من التفكير الثنائي سلوك متأصّل للتكيّف في منطقة «دماغ الزواحف» لدى الإنسان، أي في غرائزه البدائية الأولى. ففي الماضي السحيق، كان علينا أن نحسم بسرعة مَن هو الصديق ومَن هو العدو، أي هل هذا الكائن سيأكلني؟ هل أنا في أمان بقربه؟ وكان الأفضل أن نميل إلى الحذر والعداء بدل التردد، فلا أحد يريد التريث في الحكم على نمر ذي أنياب حادة! ديفيد لينسون، أستاذي الرائع في جامعة ماساتشوستس أمهرست، خاطبني وزملائي بلطفٍ ذات مرةٍ بسبب ميلنا للتفكير الثنائي، فقال: «هل تعتقدون أن الشوكولاتة نقيض الفانيليا؟ هل تعتقدون أن الكلاب نقيض القطط؟ هل المصارعة والملاكمة متضادتان حقاً؟ وهل الحلو والمر كذلك؟».اعتقدَ ديفيد أن هذا التوق للثنائيات مسألة ثقافية، وبشكلٍ عام، أعتقد ذلك أيضاً. وكان ديفيد يرى أن هذا الشغف بالثنائيات ظاهرة ثقافية في الأساس، وأنا أشاركه الرأيَ إلى حد كبير. فثقافتنا الأميركية مهووسة بالثنائيات. ولدينا حزبان سياسيان رئيسيان فقط، لا ثالث لهما، في خصومة أبدية لا تنتهي. وكلما حاولت مجموعةٌ تأسيسَ حزب ثالث، سرعان ما تُنهي القوى القائمة محاولاتِها. كما أننا نعشق الرياضةَ، وهي أكثر المجالات تجسيداً للثنائية، حيث ينتصر طرف وينهزم الآخر. ونستمتع بالمناظرات التي يفوز فيها أحد الأطراف ويخسر الآخر. وفي العالم الأوسع، نُقسم الجميع بين حلفاء وأعداء. ونحن أنفسنا «ديمقراطيون» أو «جمهوريون»، واقعيون أو مثاليون، متدينون أو ملحدون، نرتدي قمصان فريقنا بفخر ونستهزئ بألوان الفريق الآخر، ونستسلم لما أسماه فرويد «نرجسية الفوارق البسيطة» للحفاظ على الثنائيات حيةً.ولا يمكن اعتبار التفكير الثنائي مدمراً دائماً، إذ يمكنه أحياناً توضيح المواقف المعقدة ومساعدتنا على تحديد اتجاهاتنا واتخاذ القرارات. لكن المشكلة عندما يكون كل فكرنا ثنائياً فقط، فإنه قد يؤدي إلى استنتاجات فجة وغير مراعية للغير، وقد يكون حافزاً للتصعيد والصراع. وقد أدرك الفيلسوف، المناهض للفلسفة في الوقت نفسه، جاك دريدا، مشكلةَ الثنائيات، حيث كان عدواً للتفكير البسيط القائم على التقابلات المطلقة.وحاول مراراً، من خلال أسلوب التفكيك الفلسفي، أن يُظهر أن أحد طرفي الثنائية يستمد الكثير من قيم وافتراضات نقيضه الطرف الآخر. وقد حذر دريدا من أن الهوس بالتفكير الثنائي والسعي الدائم لرؤية العالم عبر صراعات متقابلة، يمكن أن يؤدي بسهولة إلى العنف. ودفع الفضول دريدا إلى تأكيد حرية العقل في التفسير، كما دعا إلى شكل من أشكال التفكير لا يقوم على الأضداد والتناقضات، بل يُشبه شبكة متنامية من الروابط الغنية المتداخلة.نحن جميعاً أجزاء من كيان واحد، نتشارك جوهراً واحداً، أو روحاً واحدة. وهذه الرؤية لا تُغذي الصراع أو التعارض، بل تتقبل ما يأتيها دون انحياز أو خصومة. وقد اقترح جيفري هوپكنز، الباحث في البوذية ومترجم الدالاي لاما، أن نُقبل على الناس وفي أذهاننا حقيقة بسيطة، وأن نهمس في أنفسنا: «هذا الإنسان يعاني، إنه يتمنى أن يكون سعيداً».

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.