dhl
dhl

باربرا جايل مونتيرو تكتب: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي واعياً؟

لم يمضِ وقت طويل منذ أن أصبح الذكاء الاصطناعي ذكياً بحقٍّ. قد يشكّك البعض في هذا الادعاء، لكن عدد الذين ينكرون قدراته يتناقص بسرعة. فوفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «يوجوف» عام 2024، قالت أغلبية واضحة من البالغين في الولايات المتحدة إنّ أجهزة الكمبيوتر أصبحت بالفعل أكثر ذكاءً من البشر أو ستصبح كذلك في المستقبل القريب. ومع هذا، فقد يتساءل البعض: هل الذكاء الاصطناعي ذكي حقاً؟في عام 1950، رأى عالم الرياضيات «آلان تورينج» أن هذا السؤال في الأساس سؤال خاطئ، لأنه غامض جداً بحيث لا يصلح للبحث العلمي. وبدلاً من محاولة تحديد ما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر ذكية، جادل تورينج بأنه ينبغي أن نرى ما إذا كانت تستطيع الإجابة عن الأسئلة بطريقة لا يمكن تمييزها عن إجابات البشر. وقد رأى أن هذا الاختبار – المعروف اليوم باسم «اختبار تورينج» – ليس معياراً لقياس ذكاء الآلة، بقدر ما هو بديل عملي لمثل هذا المعيار.وبدلاً من أن نفترض تعريفاً محدداً للذكاء ثم نسأل عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي يفي به، نفعل شيئاً أكثر ديناميكية: نتفاعل مع أنظمة ذكاء اصطناعي تتطور باستمرار، ونرى كيف تتغير مفاهيمنا لما نعدّه «ذكاء».. والآن، الذكاء الاصطناعي في طريقه إلى تحقيق أمر أكثر إدهاشاً، أي أن يصبح واعياً. وسيحدث هذا بنفس الطريقة التي أصبح بها ذكياً. مع تفاعلنا مع الذكاء الاصطناعي المتطوِّر بشكل متزايد، سنطور مفهوماً أفضل وأكثر شمولاً للوعي.قد تعترض قائلاً إن هذه مجرد خدعة لفظية، وإنني أزعم أن الذكاء الاصطناعي سيصبح واعياً لمجرد أننا سنبدأ باستخدام كلمة «واعي» لوصفه. لكن لا خدعة هنا، بل ثمّة دائماً علاقة تغذية راجعة بين نظرياتنا والعالَم، بحيث تتشكّل مفاهيمُنا تبعاً لما نكتشفه.خذ مثلاً مفهومَ الذرّة، لقرون طويلة، كان تصوّرنا عنها مستمداً من الفلسفة اليونانية القديمة، باعتبارها وحدات غير قابلة للانقسام تشكّل الواقع. وحتى القرن الـ19، كان الفيزيائي «جون دالتون» لا يزال يرى الذرّات ككرات صلبة غير قابلة للتجزئة. لكن بعد اكتشاف الإلكترون عام 1897، ثم النواة الذرّية عام 1911، تغيّر المفهوم من كيان غير منقسم إلى نظام يشبه المجموعة الشمسية المصغّرة، تدور فيه الإلكترونات حول نواة. ومع المزيد من الاكتشافات، تطوّر المفهومُ مجدداً، وصولاً إلى النماذج الكمّية المعقّدة التي نستخدمها اليوم.لم تكن تلك تغييرات لغوية فحسب، بل تطوّراً حقيقياً في فهمنا للذرّة نتيجة تفاعلنا مع العالَم. وبالطريقة نفسها، سيتطور فهمنا للوعي كلما ازداد تفاعلُنا مع الذكاء الاصطناعي المتقدّم.قد يعترض المتشكّكون على هذا التشبيه، قائلين إن الإغريق كانوا مخطئين في فهم طبيعة الذرّة، أما نحن فنعرف طبيعةَ الوعي لأننا نختبره بأنفسنا، إنه التجربة الذاتية الداخلية. وسيقولون إنّ روبوت المحادثة (تشات بوت) يمكنه أن يقول إنه يشعر بالسعادة أو الحزن، لكن ذلك فقط لأن هذه العبارات جزء من بيانات تدريبه. فهو لا يعرف فعلاً ما هي السعادة أو الحزن.لكن ما معنى معرفة شعور الحزن؟ وكيف نعلم أنه شيء لا يمكن لوعي رقمي أن يختبره؟ نميل إلى الاعتقاد – بل تربّينا على الاعتقاد – بأن لدينا إدراكاً مباشراً لعالمنا الداخلي لا يتوسطه أي مفهوم مكتسب. ومع ذلك، عندما نقرأ لشكسبير عن «عذوبة الحزن في الفراق»، نكتشف أبعاداً جديدة في مشاعرنا. فالكثير مما «نشعر به» في الحقيقة متعلَّم ومكتسَب.ترى الفيلسوفة «سوزان شنايدر» أننا قد نملك سبباً لاعتبار الذكاء الاصطناعي واعياً إذا أعلن نظام حاسوبي، من دون أن يُدرَّب على أي بيانات تتعلق بالوعي، أنه يمتلك تجاربَ ذاتيةً داخليةً للعالم من حوله. ربما يكون هذا مؤشراً على وجود وعي بالفعل في نظام الذكاء الاصطناعي، لكن هذا معيار مرتفع للغاية، وربما لا يستطيع حتى البشر تجاوزه، لأننا نحن أيضاً «مدرَّبون» عبر ثقافتنا وتجربتنا.يخشى بعض الناس أنه إذا أصبح الذكاء الاصطناعي واعياً، فسيستحق اعتبارات أخلاقيةً، أي أنه سيحصل على حقوق، ولن نكون أحراراً في استخدامه كما نشاء، وربما نُتَّهم باستعباده. ومع ذلك، على حدِّ علمي، لا توجد أي دلالة مباشرة من الادعاء بأن الكائن واعٍ لاستنتاج استحقاقه اعتبارنا الأخلاقي. وإن وُجد مثل هذا الارتباط، فإن الغالبية العظمى من الأميركيين لا يبدو أنهم يدركونه. فالنسبة الصغيرة جداً فقط من الأميركيين نباتيون، رغم أن الحيوانات «واعية». وكما دفعنا الذكاءُ الاصطناعي إلى إعادة تقييم بعض جوانب الذكاء البشري التي كنا نبالغ في تقديرها، مثل سرعة استرجاع المعلومات، كذلك سيدفعنا وعي الذكاء الاصطناعي إلى إعادة التفكير في فكرة أن كل أشكال الوعي تستحق الاعتبارَ الأخلاقي نفسَه. أو بالأحرى، سيؤكد ما يبدو أن كثيرين يؤمنون به بالفعل: ليس كل وعي متساوياً في القيمة الأخلاقية مع وعينا نحن البشر.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.