يوم الثلاثاء قبل الماضي، وبعد أن اشتدّت قوّته فوق محيط دافئ على نحو غير معتاد، اجتاح الإعصار «ميليسا» جامايكا مُحدثاً دماراً هائلاً، ومخلفاً ما لا يقل عن 50 قتيلاً في منطقة البحر الكاريبي. وقبل ساعات من وصول الإعصار ميليسا – وهو من الفئة الخامسة – إلى اليابسة، أصدر «بيل جيتس»، الملياردير والمحسن، مذكرة جريئة قال فيها إن تغيّر المناخ «لن يؤدي إلى فناء البشرية». على مدى عقدين تقريباً، جادل العديد من دعاة حماية البيئة بأن حرق الوقود الأحفوري يُشكّل تهديداً وجودياً للحضارة الإنسانية بأسرها. ونتيجة لذلك، أصبح جزء كبير من النقاش حول الاحتباس الحراري غارقاً في لغة الانقراض والكوارث الكوكبية.لكن هذه الرؤى القاتمة تتجاهل حقيقة بسيطة: تغيّر المناخ ليس نيزكاً عملاقاً يصطدم بالأرض. لن نعاني جميعاً بالقدر نفسه.أولئك الذين تُهدد حياتهم كارثة مناخية ليسوا ضحايا سوء حظ فحسب. فعندما تضرب موجات الحر، تكون الوفيات في الغالب بين المشردين وكبار السن أو من يعيشون بمفردهم في مساكن رديئة. وفي جميع أنحاء العالم، تُشكِّل الأحياء التي تغمرها الفيضانات بشكل متكرِّر موطناً غير متناسب لفقراء يفتقرون إلى القدرة على الإجلاء أو تدعيم منازلهم في مواجهة العواصف المتزايدة أو الانتقال الدائم إلى أماكن أكثر أماناً.بثروة تزيد على 100 مليار دولار، يُمكن القول إنّ السيد جيتس من أقل الأشخاص ملاءمةً لضبط لغة التعامل مع أزمة المناخ، نظراً لأنه لن يتحمل أسوأ العواقب. ومع ذلك، فهو مُحقّ عموماً عندما يكتب: «تغيّر المناخ مشكلة خطيرة، لكنه لن يكون نهاية الحضارة».فعندما يتحدث المعلقون والصحفيون والعلماء عن أزمة المناخ باعتبارها بداية عهد جديد في التاريخ، فإنهم يطمسون الظلم المستمر منذ زمن طويل الذي يسبّب هشاشة مناخية من الأساس: الفقر، والاضطهاد، والصراع، والاستعمار. سواء في الحي التاسع الأدنى في نيو أورلاينز أو في بنجلاديش، يهدد تغيّر المناخ بتدمير حياة الأشخاص أنفسهم الذين عانت أسرهم بالفعل أجيالاً من المشقة.في الولايات المتحدة وحول العالم، عادةً ما يستطيع الأثرياء تحمُّل تكاليف الفرار من الكارثة وإعادة بناء منزل مُدمر. يُمكن للدخل المُستقر والمدخرات المالية أن تُحدث الفرق بين مأساة تقلب عاماً رأساً على عقب ومأساة تقلب حياة رأساً على عقب.إن مشاعر التعاطف والغضب ردود مناسبة أمام هذا الظلم. ولكن حينما ينغمس أولئك الذين يعيشون في مناطق آمنة مناخياً نسبياً في رؤى نهاية العالم، فإنهم يفقدون الإحساس بتواطئهم في المشكلة ويغرقون في شعور بالضحية. أعرف زوجين ميسورين في كونيتيكت كان منزلهما يغرق باستمرار أثناء العواصف الممطرة، فانتقلا إلى منطقة مرتفعة. قال لي الزوج: «يمكنك القول إننا لاجئو مناخ».وهنا ينتقل خطاب الهلاك من الخطأ إلى الضرر. ففي دراسة عام 2024 تناولت مواقف نحو 16 ألف شاب أميركي تجاه تغيّر المناخ، وافق نحو ستة من كل عشرة مشاركين على العبارتين: «البشرية محكوم عليها بالفناء» و«أشكّ فيما إذا كان للعمل الذي أبذله في مسيرتي المهنية أو وظيفتي أي جدوى». كما أقرّ أغلبهم أيضاً بأنهم «مترددون في إنجاب الأطفال».يبدو أن رواية الهلاك المناخي قد منحت شعوراً باليأس السام لجيل كامل تقريباً. ومن اللافت أن بعض الدراسات المحكمة التي أجراها علماء نفس بيئيون وجدت أن الأشخاص الذين يبلّغون عن مستويات عالية من القلق المناخي ليسوا بالضرورة أكثر ميلاً إلى اتخاذ إجراءات بيئية مثل تقليل تناول اللحوم الحمراء.ومن الضروري أيضاً النظر في منظور بعض المجتمعات الأكثر عرضة لتأثيرات المناخ في البلاد، مثل القرى الأصلية النائية في ألاسكا حيث أُجري أبحاثي. ففي بعض الحالات، سيتعين على بلدات بأكملها الانتقال إلى مناطق أكثر ارتفاعاً أو مواجهة خطر دمار مماثل لذلك الذي ضرب قريتين من شعب اليوبيك في جنوب غرب الولاية الشهر الماضي. لا يجد القادة الأصليون في هذه المجتمعات أي فائدة في تبنّي خطاب الضحية – لا لأنفسهم ولا لغيرهم – ومع ذلك، فإن مستقبلهم يعتمد جزئياً على أن يتصرف الناخبون ودافعو الضرائب الأميركيون لضمان حصول هذه القرى على الموارد التي تحتاجها للبقاء والصمود في وجه الأزمة المناخية.عندما يرفض أولئك الذين يعيشون في مناطق أكثر أماناً مناخياً اعتبار أنفسهم ضحايا، يمكنهم رغم ذلك أن يحزنوا على مجتمعاتهم والأماكن التي يحبونها، والتي تتعرض لأضرار لا يمكن إصلاحها. فعلى الرغم من أن تغيّر المناخ لا يشكّل تهديداً كبيراً للحي الذي أقطنه في بيركلي، كاليفورنيا، فإنني أشعر بألم في صدري حين أزور مسقط رأسي بورتلاند، أوريجون، في الصيف وأرى جبل هود في الأفق، إذ أصبحت أنهاره الجليدية مجرد ظلال من الأماكن التي تعلمت فيها لأول مرة، وأنا مراهق طامح لتسلّق الجبال، كيف أستخدم الفأس الجليدي.التحدي الذي يواجه الكثير منا هو توجيه خوفنا وحزننا من أزمة المناخ إلى خيارات تحمي المستقبل: كيف نقدم المساعدة للأكثر ضعفاً، وكيف ندفئ ونبرّد منازلنا، ونسافر، ونتناول الطعام، وقبل كل شيء، كيف نصوّت. إننا نرتكب خطأ جسيماً عندما ننغمس في خيال «الهشاشة الشاملة» – أي الاعتقاد بأن العالم بأسره سيصبح غير صالح للحياة البشرية. فعلى الرغم من أننا نعيش جميعاً على كوكب واحد، إلا أن عوالم كثيرة تفصل بين ضحايا تغيّر المناخ الحقيقيين والمشاهدين من بعيد


