القاهرة – أميرة المحمدي:
في قلب الغورية، تلك البقعة التي تشبه دفترًا مفتوحًا من التاريخ، حيث تتداخل أصوات الأزقة بروائح التوابل، وحيث يشعر الزائر بأن الزمن ما زال يحتفظ هنا ببطء جميل، يقف مطعمٌ صغير اسمه “فؤش ابن سيد للطواجن”. قد يبدو المكان للمارّ العابر مجرد مطعم شعبي يفيض بالزوار، لكن بمجرد أن تتعمق في الحكاية تكتشف أنه ليس مجرد مشروع تجاري، بل رحلة عمر بدأت مع طفل في التاسعة من عمره، وحملها بعد سنوات كرجُل قبل أن يكون صاحب مطعم.
رحلة فيها من الحِلم قدر ما فيها من المسؤولية، وفيها من الفقد قدر ما فيها من الإصرار، وفيها من الطعم ما يبقى في الذاكرة أكثر مما يبقى على اللسان.لم تبدأ الحكاية من فؤاد نفسه، بل من عائلة حملت مهنة الجزارة جيلًا بعد جيل. كان والده واحدًا من أبناء هذه العائلة، لكنه لم يكن مجرد “ابن مهنة”.
عاش سنوات في الأردن، وغربته صنعت داخله قدرة على الاعتماد على النفس، فلم يكن يتردد أن يطبخ لنفسه، وأن يتقن الأكل كهاوٍ شغوف لا كصاحب صنعة. ومع أنه خريج حقوق، إلا أنه كان فنانًا في نظر ابنه: يحب الديكور، يبدع في التفاصيل، ويملك ذوقًا خاصًا في تقديم الطعام. وحين عاد إلى مصر، قرر أن يحوّل هذا الشغف إلى شيء ملموس، ففتح مطعم “فؤش ابن سيد” في التسعينات بينما كان فؤاد في التاسعة من عمره فقط، لتبدأ اللحظة الأولى لعلاقة الابن بالنار والطواجن.
منذ ذلك العمر، أصبح المطعم عالم فؤاد. لم يتعامل معه كطفل يمر على المكان بين اللعب والدراسة، بل كابن يُحسن الإصغاء. كان يراقب والده وهو يتعامل مع اللحوم الدقيقة، ويصنع الصلصات، ويحترم المهنة كأنها جزء من شخصيته. ومع مرور الوقت، أصبح المطبخ بالنسبة لفؤاد مدرسة كاملة؛ يتعلم فيها الصبر، وإتقان التفاصيل، وفهم معنى الأمانة. يكبر ويكتشف أن الأكل ليس عملية ميكانيكية، بل إحساس وروح ورغبة في تقديم ما يُفرِح الآخر قبل أن يُشبِعه.
وحين دخل الجامعة—كلية الحقوق، نفس طريق والده—لم يكن يدرك أن القدر سيباغته بفقدٍ كبير سيغيّر حياته للأبد. رحل الأب بينما كان فؤاد في أولى جامعة، ومع الرحيل سقطت على كتفه مسؤولية البيت والمطعم والأم وأخواته البنات.
كان الوحيد القادر على حمل الأمانة. لم يكن أمامه رفاهية الاختيار أو وقت للتردد؛ كان لا بد أن يتحول من شاب يوازن بين الدراسة والبيت، إلى رجل يقود عائلة كاملة ويحفظ مشروعًا بدأه الأب بروحه.ومع كل هذا العبء لم يفقد فؤاد شغفه. بالعكس، بدا كأن الفقد أشعل داخله رغبة أكبر في الحفاظ على اسم الأب.
وعلى الرغم من أنه كان يسابق بين المحاضرات والوقوف في المطعم، إلا أنه كان يصر على أن يكون موجودًا في كل خطوة: يشرف على اللحم منذ وصوله من المذبح، يروّقه بنفسه، يحضر التتبيلة، ويجهز الطواجن.
كان يفعل ذلك ليس فقط لأنه يدير المكان، بل لأنه كان يريد أن يثبت لنفسه قبل أيّ أحد أن اسم “فؤش” باقٍ كما أراده الأب، وأنه قادر على رفع المكان مهما كانت الظروف.وبعيدًا عن المطبخ، كان لفؤاد حياة أخرى ساعدته في بناء الشخصية التي يحملها اليوم؛ فقد بدأ ممارسة كمال الأجسام منذ سن الخامسة عشر، واستطاع أن يصبح بطل القاهرة تحت 21 سنة، وبطل جامعة القاهرة.
الانضباط الذي زرعته الرياضة في شخصيته أصبح هو نفسه الانضباط الذي يدير به المطعم الآن؛ يبدأ يومه من الثامنة صباحًا، يتحرك بخطوات ثابتة، يُصر على أن يكون كل شيء طازجًا، وأن تُطهى المكونات يومًا بيوم. لا فريزر، لا تسخين، لا حلول وسط. كل شيء يصل من المذبح في نفس اليوم، ويُجهّز ، وكأنه يطبخ لبيته لا للزبائن.
ومع أن الأب هو من وضع حجر الأساس، إلا أن الأم كانت السند الذي حفظ هذا الأساس بعد رحيله. كانت القوة التي دفعت فؤاد للاستمرار، والدعامة التي حافظت على البيت قائمًا، واليد التي أمسكت بكتفه حين ثقل الحمل عليه. ويعترف فؤاد بذلك بوضوح شديد، بلا تردد ولا مبالغة: “أمي كانت أكبر داعم في حياتي… من غيرها ولا المطعم ولا إحنا كعيلة كنا هنقف.
”ومع مرور السنوات، أصبح “فؤش ابن سيد” واحدًا من أشهر مطاعم الغورية، لا يملك فروعًا أخرى حتى الآن، ويعمل على أن تظل التجربة أصلية كما أرادها الأب. المكان بنكهة الزمن، الديكور بطابع الغورية، الطواجن بطعم البيت الأصيل، واللحوم تُقطع أمام الزبون احترامًا للثقة. السمنة كلها بلدي، واللحوم بلدي طازجة، والأسعار—رغم جودة الخامات—تنافسية لأن فؤاد يرى أن محبة الناس أهم من المكسب.
والجميل أن فؤاد، رغم أنه أصبح صاحب مطعم له سمعة كبيرة، إلا أنه لا يزال يقف على النار بنفسه، يعدل الطعم، ويضبط الخلطة، ويبتكر جديدًا.
يقول دائمًا إن فكرة المطعم ليست مجرد بيع طعام، بل تقديم “طاجن له روح”، طاجن يشبه البيت المصري القديم، وفيه من أسرار المهنة قدر ما فيه من حب صاحبها.رغم بساطة المكان وطابعه التراثي، إلا أن مطعم فؤش أصبح مقصدًا لكل من يبحث عن الطعم الأصيل والجودة التي لا تتغيّر، وليس مجرد مطعم عادي في الغورية.
الزبائن هنا من كل الفئات: من أبناء المنطقة الذين يعتبرونه امتدادًا للذاكرة العائلية، إلى رواد القاهرة الباحثين عن طواجن بطعم الزمن الجميل، وحتى المشاهير الذين يعرفون أن ما يقدمه فؤاد هو تجربة لا تتكرر في أي مكان آخر.
فالمطعم ليس مكانًا لتناول وجبة فقط، بل مساحة يلتقي فيها الناس مع الطعم الأصلي والذكريات، حيث يعرف كل زائر أنه أمام مأكولات تم إعدادها يومًا بيوم، بحرص وشغف، وباللمسة الخاصة لفؤاد نفسه.
الزبائن الدائمون هنا يعتبرون “فؤش” جزءًا من حياتهم اليومية، كثير منهم يأتون أكثر من مرة أسبوعيًا، بعضهم يأتي خصيصًا ليشاهد طريقة قطع اللحوم والطبخ أمامهم، مما يخلق جوًا من الثقة المتبادلة بين صاحب المطعم والزبائن.
أما المشاهير، فهم يأتون ليس فقط بحثًا عن الطعام، بل للتجربة نفسها؛ فلطالما تداولت وسائل الإعلام المحلية صور بعض الفنانين ومشاهير السوشيال ميديا وهم يزورون المكان، ليؤكدوا بذلك سمعة المطعم وشهرته التي تتخطى مجرد كونه وجهة محلية، ليصبح علامة مميزة في عالم الطواجن المصرية.
وفي النهاية، يظل ارتباط فؤش بزائريه أكثر من علاقة صاحب مطعم وزبون، فهو رابط من الثقة والمصداقية، والكل يعرف أن كل طاجن يخرج من مطبخه هو وعد بالجودة، وأمانة أمام كل من يجلس على طاولته، سواء كان زائرًا عاديًا أو من مشاهير القاهرة.
وفي ختام الحديث، يترك فؤاد جملة تصلح أن تكون عنوان حياته المهنية كلها:«أهم حاجة عندي الجودة… مش الربح. والامانة عندي رقم واحد.»وحين خرجت من اللقاء، أدركت أنني لم أكتب عن صاحب مطعم فقط، بل عن سلالة من الحكايات: أب عاشق للطعم، ابن حمل الحلم، أم سند لا ينتهي، ومكان يختزن في جدرانه روح الغورية كلها.
وفي النهاية، يبقى “فؤش” شهادة واضحة على أن الإرث لا يعيش بالاسم فقط… بل يعيش بالجودة، وبالصدق، وبروح رجل قرر أن يحافظ على إرث أبيه ويطوره، مهما طال الطريق.












