القاهرة – مصطفى المصري – أميرة المحمدي:
لم تكن رحلة سارة عبدالعزيز في التعليم مخطَّطة أو مرسومة مسبقًا، بل تشكّلت خطوة بعد أخرى، كأن القدر كان يدفعها — برفق أحيانًا وبحدّة أحيانًا أخرى — نحو الطريق الذي يناسب روحها وشغفها الحقيقي. فهذه الشابة التي تخرجت في كلية الآداب قسم الفلسفة، ولم تتخيل يومًا أن تدخل مجال التدريس، بدأت مشوارها المهني في اتجاه مختلف تمامًا هو مجال العقارات، بينما كان حلمها الأكبر أن تلتحق بمعهد السينما، حلم لم يتحقق، لكنه ترك فيها بذرة التطلع والتجريب، تلك البذرة التي ستتفتح بعد سنوات في صورة امرأة واثقة، قيادية، وصاحبة رؤية.
جاءتها فرصة للعمل في التدريس، فرصة بدت في البداية كعمل مؤقت، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى نقطة تحول جوهرية في حياتها. بدأت كمساعدة معلم، ثم مدرسة لغة إنجليزية، وتدرجت حتى أصبحت معلمة فصل، ثم مديرة مرحلة كاملة. ومع كل خطوة، كانت تكتشف جزءًا جديدًا من طاقتها المهنية، وتدرك أن المجال الذي دخلته صدفة أصبح شغفًا تحبه وتدرسه وتتطور فيه.

التحقت بدبلومة من كندا في التدريس، ونالت شهادات متخصصة في الـ IB ، ثم سافرت إلى قطر لثلاث سنوات اكتسبت خلالها خبرة واسعة من العمل في بيئة مختلفة بين التدريس والإدارة. كانت تلك السنوات بمثابة بناء صلب لمهاراتها، ورسم واضح لهويتها العملية.
لكن السنوات الطويلة في التعليم كشفت لها شيئًا آخر: أنها أصبحت مرجعًا للعديد من الأهالي، وأن قدرتها على شرح الفروق بين المناهج والمدارس، وتحليل شخصيات الأطفال، وتوجيه الأسر كانت أكبر من حدود وظيفتها. بدأت تلاحظ أن لديها شبكة علاقات واسعة، وفهمًا عميقًا لما يبحث عنه أولياء الأمور، وما تحتاجه المدارس لتُظهر نفسها بالشكل الصحيح.
وهنا ولدت الفكرة: لماذا لا تتحول هذه الخبرة إلى مشروع مستقل؟ ولماذا لا تستثمر كل ما تعلمته في تأسيس مجال جديد يربط بين المدارس والأهالي بطريقة أكثر وعيًا؟هكذا قررت إنشاء شركة متخصصة في ماركتينج المدارس.
اعتمدت في البداية على بناء اتفاقيات مع المؤسسات التعليمية: إدارة صفحات السوشيال ميديا، تصوير وتغطية الفعاليات، وصياغة المحتوى الذي يعكس صورة المدرسة بصدق ومهنية. وبفضل خلفيتها الأكاديمية وعملها الطويل داخل المدارس، أصبحت تفهم بعمق ما يجب أن يراه الأهالي، وما يرغب المعلمون في إظهاره، وكيف تحب المدارس أن تُقدَّم لجمهورها.
ومع الوقت، أصبحت المدارس الدولية في منطقة الشيخ زايد تطلبها بالاسم، وتؤكد لها أنها مميزة في هذا المجال وتستحق التركيز عليه. وفي خطوة جريئة، قررت أن تترك التدريس نهائيًا رغم مسؤولياتها كأم لطفلين، وتفرغت تمامًا لمشروعها، مؤمنة بأن النجاح لا يأتي إلا لمن يملك الجرأة على التخلي عن منطقة الأمان.

تقول سارة إن لحظة الثبات الحقيقية في مشروعها جاءت حين أطلقت البودكاست الأكاديمي الخاص بها؛ مساحة حوارية تجمع الطالب والمعلم وصاحب المدرسة والمتخصص النفسي في إطار واحد، يناقشون فيه قضايا المنظومة التعليمية بكل صراحة وعمق.
الهدف كان أن يصل الصوت إلى كل بيت وكل مدرسة، وأن يصبح المحتوى مرجعًا حقيقيًا لأي شخص داخل عالم التعليم. وفي الوقت الذي تولّى فيه شريكها الجانب التمويلي، ركزت هي بالكامل على الفكرة والإعداد والتنفيذ، لتصنع محتوى يحمل بصمتها وفلسفتها وفهمها الهادئ لهذا القطاع.
ومن قلب تلك التجربة، نشأت واحدة من أهم خطواتها: مشروع تطبيق School Founder، أول تطبيق أكاديمي في مصر يسهّل على الأهالي اختيار المدرسة المناسبة لأبنائهم. جاءت الفكرة من تجربة شخصية عانتها حين كانت تبحث عن مدرسة لابنتها، فقررت أن توفر للأهالي أداة عملية تختصر الجهد والوقت.

يضم التطبيق كل المدارس في منصة واحدة، مع صور وفيديوهات ومصاريف وتفاصيل المناهج، بالإضافة إلى إمكانية حجز اجتماع مباشر مع إدارة كل مدرسة. كما يقدم مستشارين متخصصين لمساعدة من لا يستطيع اتخاذ القرار وحده. تطبيق لا يجمع المعلومات فقط، بل يضعها في سياق واضح، يمكّن ولي الأمر من رؤية الصورة كاملة من دون الحاجة إلى زيارة خمس مدارس على الأقل.
ولإطلاق التطبيق بالشكل الصحيح، أدركت سارة أنها يجب أن تخرج للناس كوجه واضح وصوت حاضر، فبدأت بتقديم محتوى توعوي على السوشيال ميديا، تعرّف فيه الجمهور بفكرتها وتجربتها ومشروعها الجديد. تقول: «كان لازم أظهر كإنسانة وكمتخصصة… لازم الناس تعرف مين اللي بيقدم أول بودكاست أكاديمي متخصص».
وهكذا، أصبح حضورها جزءًا من هوية المشروع، وامتدادًا طبيعيًا لرحلتها المهنية.سارة عبدالعزيز اليوم ليست مجرد استشاريّة تعليمية، بل قصة امرأة أعادت تشكيل مسارها بوعي وجرأة وصبر، ونسجت طريقها الخاص وسط ازدحام الفرص والخيبات والتجارب. رحلتها ليست فقط حكاية نجاح، بل شهادة على أن الطريق لا يُصنع مرة واحدة، بل خطوة بعد أخرى، وأن الشغف الحقيقي يظهر غالبًا في الأماكن التي لم نكن نتوقعها.



