القاهرة ـ بسنت حسين:
في مؤتمر الأمم المتحدة السنوي للمناخ الذي عُقد الشهر الماضي في مدينة بليم بالبرازيل، أدلى حاكم كاليفورنيا «جافين نيوسوم»، وهو أبرز شخصية أميركية حاضرة، بتعليقات غير متوقعة حول الطاقة النووية. ففي إحدى المقابلات، أشار إلى أن الطاقة النووية تحولت من كونها مصدراً مثيراً للجدل إلى عنصر أساسي في «استراتيجية النمو الأخضر منخفض الكربون» في أميركا وهذا صحيح بالتأكيد في ولاية نيويورك ولدى شركات مثل «جوجل» التي تأمل في بناء محطات طاقة نووية حتى تتمكن من الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري.لكن في كاليفورنيا، الولاية التي يحكمها نيوسوم نفسها، ما يزال بناء المحطات النووية محظوراً، ففي عام 1976، أصدرت الولاية قانوناً يمنع منح تصاريح لمنشآت نووية جديدة إلى أن تجد الحكومة الفيدرالية حلاً دائماً للنفايات التي تنتجها هذه المحطات. لقد حان الوقت لإعادة النظر في ذلك الحظر. الطاقة النووية أصبحت مقبولة على نطاق أوسع لأنها تلبي احتياجات الجميع، سواء كنتَ براجماتياً في ما يتعلق بالمناخ، أو مؤيداً للنمو الاقتصادي، أو تسعى – وفقاً لما تصفه إدارة ترامب – إلى «الهيمنة في مجال الطاقة». وينبغي على الولايات التي لا تزال تُعيق بناء محطات جديدة أن تُدرك صعوبة القضاء على غازات الاحتباس الحراري من دون دورٍ مُحدد للطاقة النووية، وأن تنظر في تعديل قوانينها.لعلّ كاليفورنيا تُعدّ خير مثال على ضرورة السماح للمشاريع النووية الجديدة بمنافسة مصادر الطاقة الأخرى.عندما انخرطت كاليفورنيا بجدية في مكافحة تغيّر المناخ، أقرّت قوانين رائدة، من بينها قانون صدر عام 2018 يلزم كاليفورنيا بالحصول على كل كهربائها من مصادر خالية من الكربون بحلول عام 2045. في ذلك العام نفسه، وافق منظمو الولاية على خطة لإغلاق آخر محطة نووية عاملة فيها. كانت هذه الرؤية تجسيداً لحلم بيئي يتمثل في تشغيل كاليفورنيا على الشمس والرياح والمياه فقط – وإظهار كيف يمكن لولايات ودول أخرى أن تحذو حذوها.ووفقاً لعدة مقاييس، يقترب هذا الحلم من التحقق: فقد انخفضت تكاليف الطاقة الشمسية والبطاريات انخفاضاً حاداً، ونشرت كاليفورنيا هذه التقنيات بوتيرة سريعة. هذا العام، وحتى أكتوبر، لبت الطاقة النظيفة الطلب أو تجاوزته لجزء من اليوم على مدار 259 يوماً على الأقل على الشبكة التي تخدم معظم أنحاء الولاية.لكن بعض العلماء وخبراء الطاقة شككوا في حكمة تشغيل الولاية على الشمس والرياح والمياه والبطاريات وحدها. ففي عام 2021، جادل فريق منهم بأن مصادر الطاقة «النظيفة والمستقرة» – أي غير المعتمدة على الطقس – مثل الطاقة النووية والطاقة الحرارية الجوفية، يمكن أن تكمل تلك المصادر المتغيرة. وفي العام الذي يليه، قرر نيوسوم والهيئة التشريعية للولاية تمديد عمر المحطة النووية الوحيدة المتبقية، «ديابلو كانيون»، حتى عام 2030 على الأقل. ومع ذلك، ليست هناك مفاعلات جديدة في الأفق.عندما كنت أكتب هذا المقال في ظهيرة ممطرة في جنوب كاليفورنيا، كان نحو 10% من الكهرباء على الشبكة يأتي من الطاقة الشمسية، و9% من الطاقة النووية، و13% من البطاريات، و43% من الغاز. وهذا يعني أنه ما يزال أمام الولاية طريق طويل لتصل إلى شبكة كهرباء موثوقة طوال الوقت وخالية من الوقود الأحفوري – لا سيما مع ارتفاع الطلب على الكهرباء.وسيكون من الحكمة إبقاء جميع الخيارات منخفضة الكربون مطروحة على الطاولة، بما في ذلك الطاقة النووية. فهذه الطاقة تقدم مزايا معيّنة: إذ يمكنها توفير كهرباء مستقرة، على مدار الساعة، ومنخفضة الكربون، وعلى مساحة أرض صغيرة جداً. وبينما فشلت الولايات المتحدة في إنشاء مستودع دائم للنفايات، فقد تم تخزين الوقود المستهلك بشكل آمن في مواقع المفاعلات النووية ومواقع التخزين المرخصة الأخرى في جميع أنحاء البلاد.الطاقة النووية تستحق على الأقل أن تنافس على قدم المساواة. فهي توفر بالفعل نحو 20% من إجمالي كهرباء البلاد وما يقرب من نصف كهربائها منخفض الكربون. كما أن هناك مخاوف مشروعة بشأن البدائل، بما في ذلك الطاقة الحرارية الجوفية والبطاريات، فضلاً عن الوقود الأحفوري.أمام كاليفورنيا والولايات الثماني الأخرى التي تفرض قيوداً على الطاقة النووية فرصة لتعزيز أهدافها المتعلقة بالطاقة النظيفة وإثبات إمكانية تحقيقها. (أبدت ولايتان على الأقل من هذه الولايات، ماساتشوستس ونيوجيرسي، مؤخراً اهتماماً بالسعي إلى تطوير مفاعلات نووية متقدمة، وهي تقنية ناشئة). يجب أن تُدرك هذه الولايات أن جميع مصادر الطاقة تأتي مع تنازلات، وأن تُزيل العوائق القانونية القديمة أمام الطاقة النووية لمواجهة تحديات القرن المُعقدة.


