dhl
dhl

جوستين فوكس يكتب: العمل عن بُعد.. تحوّل كبير ومرحلة جديدة

بلغت نسبة العمال الأميركيين الذين عملوا بشكل أساسي من المنزل، العام الماضي، 13.3%، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي الصادرة مؤخراً، بانخفاض طفيف عن النسبة المسجلة عام 2023 والتي بلغت 13.8%. ومع استطلاعات شهرية حديثة من «أبحاث العمل من المنزل»، والتي تُظهر أن نسبة أيام العمل المدفوعة الأجر التي أُنجزت من المنزل ظلت شبه مستقرة، عند متوسط 27.7% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، مقارنة بـ27.9% في الفترة نفسها من عام 2024، يبدو أن التحوّل الكبير إلى العمل عن بُعد، الذي أحدثته الجائحةُ، قد استقر في وضع طبيعي جديد أصبح فيه أكثر انتشاراً بكثير مما كان عليه قبل كوفيد-19، على الرغم من أنه لا يزال من الواضح أن الأقلية هي مَن تسعى إلى ذلك. كانت نسبة العاملين في الولايات المتحدة، الذين يؤدون وظائفَهم مِن المنزل بشكل أساسي، أعلى بمقدار 2.3 مرة في عام 2024 مما كانت عليه في عام 2019، بينما أصبحت نسبة أيام العمل التي يتم إنجازها منزلياً، وفقاً لاستطلاعات «أبحاث العمل من المنزل»، أعلى بمقدار 3.8 مرة، لذا فإنّ العمل الهجين يُمثل جزءاً أكبر من هذا الوضع الطبيعي الجديد مقارنةً بالوظائف عن بُعد بالكامل.لكن بما أن مكتب الإحصاء الأميركي يطرح منذ عام 1960 سؤالاً سنوياً عن «وسيلة النقل الأساسية للعمل»، بالصيغة: «كيف وصل هذا الشخص عادةً إلى عمله الأسبوع الماضي؟»، فإنه يملك بياناتٍ جغرافيةً ثريةً لا يضاهيها أيُّ مسح آخر. لذا سنركز هنا على مَن يعملون بشكل أساسي من المنزل، سواء أكان عملهم هجيناً أم عن بُعد بالكامل.أين يتركزون؟ في عام 2022، خطرت لي فكرة بترتيب المناطق الأميركية، وفقاً لميلها نحو العمل من المنزل، عبر مناطق البيانات الجزئية العامة، وهي «مناطق جغرافية إحصائية غير متداخلة تقسم كلَّ ولاية إلى وحدات تحتوي كلٌّ منها على ما لا يقل عن 100000 نسمة».ومن أهم مزايا مناطق البيانات الجزئية للاستخدام العام أنها تفصل المدن الكبيرة المتنوعة إلى أجزاء أكثر تجانساً، وفي الوقت نفسه تُدمج الضواحي والبلدات الصغيرة والمناطق الريفية التي لا تصل منفردةً إلى الحد الأدنى البالغ 65000 نسمة، الذي يشترطه مكتب الإحصاء لنشر بيانات سنوية.فقط أربع مناطق من أصل 2462 في الولايات المتحدة (باستثناء بورتو ريكو) لم تُسجل إحصاءات عمل من المنزل في عام 2024، مما يعني أن الترتيب أدناه يعكس فعلاً أكثر المناطق تركّزاً للعاملين من المنزل. عندما أجريتُ تصنيفاً مشابهاً في عام 2022، استناداً إلى بيانات المسح السكاني الأميركي لعام 2021، احتلت أحياءُ المدن الكبرى أربعاً من المراتب الخمس الأولى وتسعاً من المراتب الـ 15 الأولى.ومنذ ذلك الحين، أصبحت المواقع العليا في التصنيف ضواحي في الغالب، لكن تراجع نصيب الأحياء الحضرية في المراتب الـ 25 الأولى لم يَعد بالسرعة التي كان عليها في عامي 2022 و2023. ورغم أن المرتبة الأولى ذهبت إلى سانتا مونيكا، التي تحتل أيضاً الصدارة إذا رتبنا المدن، وكذلك بيركلي وألباني (المركز 22) اللتان تُعدّان من الناحية الفنية ضواحي، فإنها كلها في الحقيقة مجتمعات حضرية باهظة الثمن وغنية بالمرافق، ولا ينتقل إليها الناس للحصول على منزل أكبر إلا مقابل مزيد من المال. وتنقسم المجتمعات الـ 25 الأولى في العمل عن بُعد بين أماكن يعمل فيها الناس من منازلهم الواسعة في الضواحي، وأماكن يعملون فيها من شققهم أو من مقهى محلي.وقد حظيتْ المجموعةُ الأولى بالاهتمام في بداية الجائحة، مع موجة نزوح الأميركيين إلى الضواحي بحثاً عن مساحة أوسع وخضرة أكثر، لكن من الواضح الآن أن كثيرين يفضلون المعيشةَ الحضريةَ حتى من دون مكتب يتوجهون إليه. ومع ذلك، يظل هؤلاء «العاشقون للحياة الحضرية» أقلية في الولايات المتحدة، إذ يعيش معظم الأميركيين في الضواحي والامتدادات العمرانية خارج المدن. وقد أظهرت دراسات أسعار العقارات ومعاملات المستهلكين تحول النشاط الاقتصادي بعيداً عن مراكز المدن نحو الأطراف.ويُظهر ترتيب 393 منطقة حضرية أميركية، وفقاً لنسبة العمل من المنزل، أن هذا التحول كان أكثر وضوحاً في مناطق مثل دنفر الكبرى، ورالي-دورهام، وأوستن. في جميع المناطق الحضرية ذات معدلات العمل من المنزل المرتفعة، باستثناء أربع (واشنطن، وسان فرانسيسكو، وسياتل وبريمرتون)، كانت نسبة العاملين الذين يعتمدون بشكل أساسي على المواصلات العامة أقل من المتوسط الوطني البالغ 3.7%. وعلى الصعيد الوطني، أدى صعود العمل من المنزل إلى تقليل أعداد السائقين المنفردين على الطرق أكثر بكثير من مستخدمي الحافلات والقطارات. فقد انخفضت نسبة الأميركيين الذين يقودون بمفردهم إلى العمل بـ 6.4% (أي ما يعادل 10.6 مليون شخص) بين عامي 2019 و2024، بينما تراجعت نسبة مستخدمي المواصلات العامة بـ 1.3%.لكن هذا الانخفاض بنسبة 1.3% كان كافياً لإحداث أزمة مالية لبعض أنظمة النقل الحضري. ولعله من اللافت أن من بين المدن الأميركية الأكثر نجاحاً في استعادة حيويتها بعد الجائحة نيويورك، حيث بلغت نسبة العمل من المنزل 12.5% خلال عام 2024، أقل من المتوسط الوطني. وعلى النقيض، تتخبط دنفر، رائدة العمل عن بُعد، مع معدلات شغور تجاري مرتفعة للغاية ومتزايدة، وشوارع وسط مدينة شبه خالية، وركود في المطاعم.أما المناطق التي يكاد لا يعمل أحد فيها من المنزل فليست أفضل حالاً، فهي غالباً فقيرة (كان متوسط الدخل الأسري فيها خلال عام 2024 نحو 81604 دولارات). كما أنها تميل إلى أن تكون ريفية.لقد أثار التحول الكبير إلى العمل عن بُعد في بداية الجائحة رؤى بمستقبل يستطيع فيه العاملون في المهن المكتبية أن يعملوا من أي مكان، شاطئ في البرتغال، أو بلدة تزلج في أيداهو، أو بلدة زراعية في الغرب الأوسط. وأتاح ذلك بعضَ الفرص بالفعل، لكنه يبدو في الغالب كإعادة ترتيب للجغرافيا الاقتصادية داخل المناطق الحضرية الكبرى. وكانت الضواحي المستفيد الرئيسي، لكن المدن ما زالت تحتفظ بمعجبيها.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.