dhl
dhl

(حوار خاص)..محمد السيد: معادلة صعبة نجحت في حلها سعر مناسب وجودة عالية في مطعم وسط البلد

القاهرة _ أميرة المحمدي :

في زمنٍ أصبحت فيه المطاعم تتشابه، يخرج مطعم وسط البلد – Wast El Balad من قلب شبرا الخيمة كحكاية قبل أن يكون مكانًا للأكل.حكاية شاب لم يأتِه النجاح صدفة، بل صاغه من محطات قاسية، وتجارب متقلبة، وسنوات من التعب والسقوط والقيام من جديد.

محمد السيد لم يفتح مطعمًا فقط، بل أعاد تعريف معنى “الأكل البيتي” حين جعله مشروعًا يحمل روح صاحبه: مكافح، صادق، ومؤمن بأن الجودة حق للجميع، لا رفاهية لقلة.هنا، لا تُقدَّم الوجبات على أطباق فقط، بل تُقدَّم معها قصة صبر، وإصرار، وحلم بدأ صغيرًا… وكبر لأنه استحق أن يكبر.

•بداية مبكرة وروح مسؤولية

منذ خروجه من الصف الثالث الثانوي، لم ينتظر محمد السيد الفرصة، بل ذهب إليها بنفسه. بدأ العمل في كافتيريا ومطعم، وحين قرر صاحب المكان إغلاقه لضعف الإقبال، فاجأه محمد بعرض جريء: أن يستأجر المكان ويُديره بنفسه.تجربة قصيرة لكنها كاشفة لشخصية لا تخاف من المغامرة، رغم اعتراض والده الذي خشي عليه لصغر سنه.

•من المطعم إلى الحسابات… عقلية منظمة

استجاب محمد لنصيحة والده، والتحق بالعمل محاسبًا في شركة، ليبدأ فصلًا جديدًا في حياته المهنية، تميّز فيه بالكفاءة والانضباط، حتى تم اختياره للعمل في شرم الشيخ ودهب ونويبع، وهو لا يزال طالبًا في السنة الثالثة بكلية التجارة – جامعة عين شمس.

تنقله في أكثر من موقع صقل شخصيته، وفتح أمامه باب العلاقات، خاصة عندما عمل لاحقًا كمندوب مشتريات، وهي مرحلة يصفها بأنها علمته قراءة السوق وفهم الناس.وبعد الانتهاء من الدراسة وخلال فترة التجنيد، مرّ محمد السيد بأزمة صحية قاسية غيّرت حياته بالكامل، وجعلته يكتشف أن الدنيا قد تنقلب في لحظة دون إنذار.

• العمل كوسيلة نجاة

بعد تعافيه، لم يكن أمامه رفاهية التوقف. احتاج للعمل لتأمين علاجه، فخاض تجارب متباينة، بدأها في أتيليه فساتين حتى أصبح مديرًا، ثم مديرًا لمحل آخر، لكنه كان يشعر دائمًا أنه ليس مكانه الحقيقي.لاحقًا، التحق بشركة اتصالات في بداياتها في مصر، كمندوب مبيعات، ثم مدير منطقة، مستفيدًا من شبكة علاقاته وقدرته على الإقناع.

•خسارة قاسية… وإصرار أقسى

افتتح محمد محلي موبايلات في شبرا ثم الشرابية، لكن ثورة 2011 قلبت الطاولة؛ تم تكسير المحل مرتين، وخسر رأس المال وتراكمت الديون.ورغم ذلك، لم يستسلم.التحق بشركة شيبسي كـ HR كونتراكتور، ثم سوبرفايزر، وصولًا لإدارة فرع العبور، قبل أن يؤسس شركته الخاصة في مجال الأوت سورس، والتي توقفت لاحقًا بسبب جائحة كورونا.

• ولادة “وسط البلد”… من فكرة إلى واقع

وسط كل تلك التقلبات، عاد الحلم القديم: مطعم… لكن مختلف.اختار اسم “وسط البلد” لأنه يعشق هذه المنطقة بكل ما تمثله من روح مصرية حقيقية.فكّر في التميز، حتى راودته فكرة العمل بلحم النعام، متحديًا ذوق السوق، وموقعًا غير حيوي في شبرا، رغم تحذيرات بعض خبراء المجال، ومنهم مدير فرع مطعم شهير قال له صراحة: “أنا نفسي أقفل الفرع ده.”لكن محمد كان يرى ما لا يراه غيره:”أنا هنجح.

“من اللحظات الفارقة، زيارة مراد مكرم صاحب برنامج “الأكيل”، الذي صوّر حلقة داخل المطعم، لتتحول الصدفة إلى دفعة قوية، عرّفت الجمهور بتجربة مختلفة تعتمد على الجودة لا الادعاء.

• الأكل كرسالة اجتماعية

لم يكن الطعام عند محمد مجرد منتج، بل رسالة.ابتكر سلسلة وجبات، أبرزها “وجبة الشقيان”:رز بشعرية، خضار، وربع فرخة بسعر 79 جنيهًا، بهدف واضح:أن تأكل كل الطبقات أكلًا نظيفًا، محترمًا، بجودة البيت.

وايضًا نجح المطعم في تكوين قاعدة جماهيرية واسعة بفضل مجموعة من الأصناف التي أصبحت علامة مميزة له، أبرزها:

• وجبة العمدة: الأشهر والأكثر طلبًا، بطعم السمنة البلدي الذي يعيد ذكريات الأكل البيتي.

• الكبسولة: مكرونة بالصوص الأحمر المميز مع إضافات متنوعة.

• وجبة البشاميل: وصفة خاصة تعتمد على جبنة الموتزاريلا بطعم منزلي أصيل.

• إلى جانب أطباق الفتة، الملوخية، الكبدة، السجق، الكفتة، الشيش طاووق، الكريسبي، وغيرها من الأصناف التي تلبي مختلف الأذواق.عقليته التسويقية تقوم على معادلة صعبة:سعر منخفض + جودة عالية + مكسب عادل، دون المساس بالنظافة أو الطعم.

• حلم ممتد

يحلم محمد بتوسيع “وسط البلد” ليصل إلى كل المناطق، بفروع تخدم الجميع، وشبكة توصيل تغطي أكبر نطاق ممكن، مع الحفاظ على فلسفته الأساسية:“تحس إنك بتطلب من البيت.”

• نصيحة من قلب التجربة

في نهاية الحوار، يختصر محمد السيد رحلته في نصيحة صادقة:“أهم حاجة تطور من نفسك، ومتقفش عند نقطة، وتعرف إن كل حاجة بإيد ربنا… مهما وصلت ممكن تقع، ومهما وقعت ممكن تقوم. الصبر وعدم اليأس هما الفرق .

”محمد السيد ليس مجرد صاحب مطعم، بل نموذج لشخص آمن أن الفشل مرحلة، وأن الألم يمكن أن يكون بداية، وأن النجاح الحقيقي هو أن تصنع شيئًا يشبهك… ويشبه الناس.قصة محمد السيد تؤكد أن النجاح لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بقدرة الإنسان على الاستمرار رغم كل ما حاول أن يكسره.في كل وجبة تُقدَّم داخل مطعم وسط البلد، هناك أثر لتجربة حياة كاملة، ووعيٌ بقيمة التعب، واحترامٌ لزبون يبحث عن طعم البيت قبل أي شيء.

لم يكن المطعم مجرد محطة أخيرة في رحلة طويلة، بل بداية جديدة لرجل آمن أن الرزق بيد الله، وأن السقوط لا يُنهي الحلم، بل يعيد تشكيله.وبينما يواصل محمد حلمه بفتح فروع جديدة تخدم كل الفئات، يظل “وسط البلد” شاهدًا على أن الإخلاص في العمل، حين يُمزج بالصدق والصبر، يمكنه أن يصنع نجاحًا له طعم… وطعم هنا يشبه البيت.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.