dhl
dhl

نبيهة خالد حيدرة يكتب: الذكاء الاصطناعي والصورة الإماراتية: كيف نصنع بيئة بصرية تنبض بالتراث؟

أضحى الذكاء الاصطناعي اليوم محوراً تتلاقى حوله جهود العالم بعلومه وعلمائه، باعتباره القوّة الفكرية والتقنية القادرة على إعادة تشكيل مسارات الابتكار المعاصر. فمن خلال ما يطوّره الباحثون وما يكشفه العلم من آفاق جديدة، يتحول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى عامل مؤثر يعيد تعريف إمكانات المجتمعات، ويمنحها أدوات رفيعة لتطوير حلول تتجاوز المألوف وتفتح فضاءات لم تكن قابلة للتخيّل قبل سنوات قليلة.وتُمنح تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في دولة الإمارات مساحة استثنائية من الرعاية والتطوير، لا باعتبارها موجة تقنية عابرة، بل كمشروع وطني يقوم على ثقة راسخة برؤية مستقبلية، تدرك قدرة هذا الحقل على صناعة مسارات جديدة للعلم والابتكار. ولهذا تعمل الإمارات على أن تكون هي المختبر الذي تُجرى فيه التجارب، وتُنحت منه النجاحات، مختبرٌ حيّ يتيح للباحثين تطوير نماذج رائدة تنتج حلولاً واقعية ترتبط ببيئة المجتمع وهويته.ومن هذا المنطلق تحديداً تتضح أهمية فهم البيئة الإماراتية بعمقٍ قبل محاولة تمثيلها بصرياً عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تمتلك هذه البيئة ملامح فريدة لا تشبه سواها، تفاصيل محمّلة بدفء المكان وذاكرة الناس.فطبيعة البيت الإماراتي القديم، بطرازه التراثي الدافئ، وفن اليولة الذي يجسّد الفخر والانتماء، ورائحة البخور التي تعانق المجالس، وصوت الدلة وهي تصبّ القهوة والملبس الإماراتي الذي يحمل بصمة الهوية في أقمشته وألوانه، هذه العناصر ليست مجرد مظاهر بصرية، بل هي رموز ثقافية وأنثروبولوجية تتجاوز كونها مَشاهِد محسوسة إلى كونها دلالات مركّبة يصعب على الخوارزميات التقاطها دون فهم سيميائي يستند إلى التراث نفسه. فالتقاط جوهر البيئة الإماراتية يظل تحدياً معقّداً يتطلب أكثر من خوارزمية سريعة. وهنا تتجلّى الحاجة إلى دمج علم السيميائيات، المستخلص من تراثنا وبيئتنا، داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي حتى تصبح الصورة الإماراتية حيّة، صادقة، وقادرة على التعبير عن روح المكان وليس شكله فقط.ومع التحوّل المتسارع للذكاء الاصطناعي إلى المنتج الأكبر للصور وانتشاره الواسع في المنصّات ومحركات البحث، تبرز ضرورة تطوير الخوارزميات الداعمة لهذا النوع من المحتوى، لأن الصورة لم تعُد مجرد مكوّن بصري عابر، بل غدت الصورةُ سفيراً معرفياً يحمل ملامح البيئة الإماراتية إلى العالم، وينقل للأجيال القادمة ما تختزله من رموز ودلالات وهوية ومن هنا تأتي أهمية تضمين المنهج السيميائي داخل عملية بناء هذه النماذج، فهو الإطار الذي يفسّر العناصر البصرية بوصفها علامات تحمل مستويات متعددة من الدلالة، وليس أشكالاً سطحية.إن إدماج المنهج السيميائي في تطوير أنظمة توليد الصور يمنح هذه التقنيات قدرة أعمق على فهم البنية الدلالية والرمزية للبيئة الإماراتية. فمن خلال المعايير التي وضعها رواد السيميائيات مثل مارتن جولي ورولان بارت-والتي تشمل تحليل العلامة، والانزياح الدلالي، وطبقات المعنى، والعلاقة بين الشكل والسياق-يستطيع النظام تفسير العناصر البصرية الإماراتية بوصفها رموزاً حيّة تحمل إحالات ثقافية واجتماعية وليست مجرد أشكال مرئية. وبتطبيق هذه المناهج، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على توليد صور تستحضر روح المكان الإماراتي، من حرارة اللون وتركيب المشهد إلى الإيحاءات المرتبطة بالبيوت القديمة، واللباس التقليدي، وطقوس اليولة، وغيرها من الرموز. ومن ثمّ فإن دعم الخوارزميات وتطويرها في هذا الاتجاه يُعدّ ضرورة معرفية وثقافية، لأنه يضمن إنتاج صور تحمل دفء البيئة الإماراتية وصدقها، وتعمل كسفير بصري ينقل الهوية والتراث إلى العالم وإلى الأجيال القادمة، بدل أن تتحول الصور الذكية إلى نسخ باهتة أو مُمَسوخة لا تعبّر عن المجتمع ولا ذاكرته البصرية.في ختام هذا المسار البحثي والثقافي، يتبيّن لنا أن تطوير قدرة الذكاء الاصطناعي على تمثيل البيئة الإماراتية بدقّة ليس خطوة تقنية فحسب، بل هو امتداد لواجبنا تجاه إرثٍ نابع من الأرض والناس. فكل محاولة لجعل الصورة التوليدية أكثر قرباً من روح المكان هي شكل من أشكال ردّ الجميل لبيئة علّمتنا معنى الانتماء، ولثقافة نسعى إلى أن تظل حيّة في الوجدان مهما تغيّرت الأدوات.إن طموحنا لا يقتصر على مواكبة التسارع التقني، بل على صياغة حضور بصري معاصر ينقل هويتنا ويحافظ عليها وبمواكبة التطورات نشارك في حماية ميراث بصريٍ كامل، ويضع بين يدي العالم رواية تُروى بالألوان والظلال والإيحاءات، وبذلك يصبح تطوير الصورة الإماراتية عبر الذكاء الاصطناعي عملاً ثقافياً بقدر ما هو تقني-رسالة وفاء للمكان، ورد جميل للذاكرة، وامتداداً لصوتٍ بصري لا نريده أن يغيب مهما تسارع الزمن

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.