(حوار خاص)..” د. رانية عبد المنعم شمعة” سيرة أكاديمية تُعيد تعريف دور الجامعة وتضع المرأة في موقع الفعل
القاهرة – مي عبده:
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها منظومة التعليم العالي في مصر، لا يكون التغيير الحقيقي وليد قرارات مفاجئة أو شعارات براقة، بل نتاج عقول آمنت طويلًا بأن التطوير مسؤولية، وأن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل كيان وطني يُسهم في بناء الإنسان والاقتصاد معًا.
وسط هذا المشهد، يبرز اسم الدكتورة رانية عبد المنعم شمعة كأحد النماذج الأكاديمية النسائية التي استطاعت أن تجمع بين العمق العلمي، والوعي الإداري، والرؤية المستقبلية، لتقدم تجربة قيادية مختلفة داخل جامعة السويس، تقوم على الفهم الحقيقي لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.

لم تصل د. رانية إلى موقعها الحالي عبر طرق مختصرة، بل عبر مسار طويل بدأ منذ منتصف التسعينيات، حين اختارت أن تجعل من العلم مشروع حياة. ومع تدرجها الأكاديمي، تشكّلت شخصيتها المهنية على قناعة راسخة بأن المعرفة لا تنفصل عن التطبيق، وأن جودة التعليم تقاس بقدرته على صناعة خريج قادر على التفكير والعمل والابتكار.
وفي هذا السياق، كان من الطبيعي أن تبدأ الحديث عن نفسها، لا بوصف المناصب، بل بوصف الرحلة.
من هي د. رانية عبد المنعم شمعة؟ وكيف تلخصين رحلتك الأكاديمية والقيادية في التعليم العالي؟
تجيب قائلة: أنا أستاذ دكتور في إدارة الإنتاج والعمليات، وعميدة كلية التجارة بجامعة السويس، ومدير مكتب التعاون الدولي والعلاقات الخارجية بالجامعة، وعضو اللجنة العلمية الدائمة لترقيات الأساتذة في إدارة الأعمال بالمجلس الأعلى للجامعات. بدأت رحلتي بتخرجي من كلية التجارة – جامعة عين شمس عام 1995 شعبة إدارة أعمال، ثم حصلت على درجة الماجستير عام 1999، والدكتوراه عام 2004، وصولًا إلى درجة أستاذ دكتور في 10 يونيو 2015. وخلال هذه الرحلة، حرصت على التطوير المستمر، فحصلت على شهادات تخصصية في تحسين الجودة من جامعات بريطانية مرموقة، إيمانًا بأن التعلم عملية لا تتوقف.
ومع توليها منصب عميدة كلية التجارة بجامعة السويس في أغسطس 2023، لم تنظر د. رانية إلى المنصب باعتباره تتويجًا لمسيرة، بل نقطة بداية لمسؤولية أكبر، خاصة في ظل خطاب وطني واضح يدعو إلى إعادة صياغة شكل ومضمون كليات التجارة بما يتماشى مع رؤية مصر 2030.

توليكِ منصب عميدة كلية التجارة جاء في مرحلة مهمة، ما أبرز الملفات التي وضعتها على رأس أولوياتك؟
توضح أن النظرة التقليدية للبرامج الدراسية لم تعد قادرة على مواكبة المتغيرات المتسارعة، وكان لا بد من التغيير الجذري. فتم إنشاء قسم علمي جديد هو قسم نظم معلومات الأعمال، وإطلاق برامج نوعية مثل نظم معلومات الأعمال (BIS)، وبرنامج إدارة سلاسل التوريد واللوجستيات، الذي يخدم طبيعة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما جرى استحداث درجة الدكتوراه المهنية في إدارة الأعمال، إلى جانب إعداد برامج بينية حديثة تشمل تحليل الأعمال باستخدام الذكاء الاصطناعي، والإدارة الرياضية، وإدارة المستشفيات، بهدف ربط الكلية بالمجتمع واحتياجاته الفعلية.هذا التوجه لم يكن قرارًا إداريًا بقدر ما كان رؤية فكرية تنطلق من فهم عميق لعلاقة الجامعة بسوق العمل، وهو ما يتضح في فلسفتها تجاه البرامج الحديثة.
كيف ترين دور إنشاء قسم نظم معلومات الأعمال وإطلاق برامج مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد في ربط التعليم بسوق العمل ورؤية مصر 2030؟
ترى د. رانية أن التحول الرقمي والاستدامة يمثلان جوهر رؤية مصر 2030، وهو ما يتطلب طالبًا مختلفًا يمتلك أدوات العصر. وتؤكد أن برامج سلاسل التوريد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة محافظة السويس، مشيرة إلى أن رسالة الدكتوراه الخاصة بها كانت في إدارة سلاسل التوريد، وتُعد من أوائل الرسائل في مصر التي تناولت هذا المجال، وهو ما عزز قناعتها بأهمية هذا التخصص.ومن بين القرارات اللافتة خلال فترة عمادتها، استحداث درجة الدكتوراه المهنية في إدارة الأعمال، باعتبارها استجابة مباشرة لاحتياجات المجتمع والمؤسسات.

ما الهدف من إضافة الدكتوراه المهنية في إدارة الأعمال، ومن هي الفئات المستهدفة؟
تؤكد أن هذه الدرجة تعيد تعريف دور الدراسات العليا، من خلال ربط البحث العلمي بالممارسة العملية، وإنتاج حلول قابلة للتطبيق. وتستهدف القيادات التنفيذية والإدارية العليا، والعاملين بالقطاعين العام والخاص، ورواد الأعمال، وأصحاب الخبرات المهنية الطويلة، وكذلك القيادات المرشحة لمناصب عليا، ممن يسعون للجمع بين الخبرة والمكانة العلمية.ورغم اهتمامها بتطوير البرامج والمناهج، فإن د. رانية ترى أن جوهر التطوير الحقيقي يكمن في العنصر البشري.
من واقع خبرتك، ما العنصر الأهم في تطوير التعليم الجامعي؟
تؤكد أن تطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس هو العنصر الحاسم، لأن الأستاذ هو المحرك الحقيقي للعملية التعليمية. فالمناهج مهما بلغت حداثتها تفقد قيمتها إذا قُدمت بأساليب تقليدية، بينما يستطيع الأستاذ الواعي تحويل المحتوى إلى تجربة تعليمية تفاعلية، تدمج البحث العلمي بالتدريس وتُنمّي التفكير النقدي لدى الطلاب.وإلى جانب دورها داخل الكلية، تتسع دائرة مسؤولياتها لتشمل البعد الدولي للجامعة.
كيف تسهم إدارتكِ لمكتب التعاون الدولي والعلاقات الخارجية في دعم مكانة جامعة السويس؟
توضح أن المكتب يعمل كأداة استراتيجية لبناء شراكات دولية فاعلة، ودعم تدويل التعليم والبحث العلمي، واستقطاب طلاب وأساتذة زائرين، والمشاركة في مشروعات دولية، بما يعزز صورة الجامعة ويرفع من قدرتها التنافسية إقليميًا ودوليًا.وبالعودة إلى الرحلة الشخصية، لا تنكر د. رانية أن الطريق لم يكن سهلًا، وأن كل مرحلة تركت أثرها الخاص.
ما المحطات الأكثر تأثيرًا في رحلتك العلمية؟
تؤكد أن كل مرحلة كانت صقلًا للشخصية، بدءًا من مرحلة التكوين العلمي، مرورًا بمحطة الدكتوراه التي نقلتها من التلقي إلى إنتاج المعرفة، وصولًا إلى مرحلة الأستاذية، التي فرضت تحديات النشر العلمي الدولي والإشراف الأكاديمي. وتعتبر عضوية اللجنة العلمية لترقيات الأساتذة مسؤولية وطنية تتطلب أعلى درجات النزاهة والموضوعية.أما عن مشاركاتها الدولية وجوائزها العلمية، فتراها جزءًا من مسؤولية أكبر تجاه المؤسسة.
كيف تنعكس هذه الخبرات الدولية على البحث العلمي داخل الجامعة؟
توضح أنها تسهم في رفع جودة البحث العلمي، ونقل المعايير العالمية للباحثين الشباب، وتعزيز ثقافة النشر الدولي، وبناء شبكات بحثية، بما ينعكس إيجابًا على تصنيف الجامعة وسمعتها الأكاديمية.وفي ختام الحوار، توجه د. رانية رسالة واضحة للأجيال الجديدة من الفتيات.
ما الرسالة التي توجهينها لطالبات الجامعات والباحثات الشابات؟
تقول: آمنّ بأنفسكن، فالثقة هي البداية الحقيقية للنجاح. لا تخشين الطموح أو القيادة، فهما مسؤولية ورسالة. استثمرن في العلم، واربطن المعرفة بالواقع، واعتبرن التحديات فرصًا للنمو، فنجاحكن لا يمثل إنجازًا فرديًا، بل يفتح الطريق لغيركن ويسهم في بناء الوطن.














