القاهرة – مي عبده:
في زمن باتت فيه القاهرة مركز الجذب الوحيد لمعظم الحالمين بالفن، قرر كيرو صابر أن يسير عكس الاتجاه. لم يكن قراره انسحابًا من الحلم، بل إعادة تعريف له. فبين زحام العاصمة، حيث تتكدس المواهب وتضيق الفرص، أدرك أن النور الحقيقي لا يُصنع حيث تكثر الأضواء، بل حيث يحتاج الناس إلى بصيص أمل، وإلى مسرح يُشبههم ويتحدث بلغتهم ويمنحهم مساحة للحلم.كيرو صابر، الكاتب والمخرج المسرحي ابن محافظة المنيا، لم يرَ في الصعيد محطة انتظار، بل مسرحًا مفتوحًا للحياة.
ثلاث سنوات قضاها في القاهرة باحثًا عن فرصة، محاولًا أن يجد موطئ قدم وسط مئات المواهب المتشابهة في الحلم والانتظار، قبل أن يكتشف أن رسالته الحقيقية ليست هناك، وأن الصعيد، بكل ما فيه من تهميش فني وثقافي، هو المكان الأجدر بأن تُبذل فيه الجهود.ورغم تخرجه في كلية التجارة، فإن طريقه إلى المسرح بدأ مبكرًا من خلال المسرح الكنسي، حيث تشكّل وعيه الفني الأول، وتعلّم معنى الالتزام والعمل الجماعي.

بعدها أسس فرقة «برا الصندوق»، وهي فرقة مسرح تجوال، جابت محافظات مصر المختلفة، وقدمت عروضًا خارج القاعات المغلقة، مؤمنة بأن المسرح يجب أن يصل إلى الناس لا أن ينتظرهم. ورغم أن أعضاء الفرقة كانوا جميعًا من المسيحيين، فإن كيرو لم يتعامل يومًا مع الفن بمنطق العزل أو التصنيف، بل رأى فيه مساحة جامعة، فبدأ يفكر في كيان فني يعكس روح الوحدة والتنوع.ومن هنا، وُلدت فكرة «تياترو الصعيد» عام 2014، كمشروع فني وإنساني قبل أن يكون مؤسسة.
مشروع قرر أن يبني اتحادًا فنيًا حقيقيًا بين المسلمين والمسيحيين، وأن يفتح أبوابه لكل من يملك موهبة وحلمًا، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى. بدأت الرحلة من الصفر، بلا تمويل، بلا دعم مؤسسي، معتمدًا فقط على إيرادات تذاكر العروض، وعلى إيمان فريق صغير بأن الفن قادر على الاستمرار حتى في أقسى الظروف.
في نوفمبر 2014، جاء حفل الافتتاح الأول لتياترو الصعيد على مسرح القوات المسلحة بالمنيا، بحضور تجاوز الألف مشاهد، في مشهد لم يكن مألوفًا في مدينة تعاني فقرًا شديدًا في البنية الترفيهية، حيث لا توجد سوى سينما واحدة تقدم أفلامًا قديمة. قُدمت حينها عروض مثل «الموجوعة» و*«الجنوب تحت»*، لتعلن بداية مرحلة جديدة في علاقة المنيا بالمسرح.
لم يتوقف المشروع عند العروض، بل امتد ليشمل بناء الإنسان. جابت تياترو الصعيد قرى ونجوع الصعيد، وأجرت اختبارات في المنيا وأسيوط وبني سويف، وأسست فرقًا مسرحية جديدة، وخلقت حالة فنية لم تكن موجودة من قبل. ومع الوقت، تحولت الفرقة إلى شركة، ثم إلى أكاديمية، ثم إلى مساحة مسرحية مستقلة، رغم الأزمات المتلاحقة، وعلى رأسها جائحة كورونا التي أغلقت المسرح مؤقتًا.لكن كيرو لم يستسلم.
استأجر بدرومًا في منطقة شعبية تُعرف باسم الحسيني، وحوّله بإمكانات بسيطة إلى مساحة مسرحية نابضة بالحياة، استضافت أكثر من 400 ليلة عرض خلال سنوات قليلة، وخرج منها 21 مجموعة مسرحية، ويبدأ اليوم تدريب المجموعة الـ22. هذا البدروم لم يكن مجرد مكان، بل رسالة حية للعالم بأن الإمكانيات البشرية قادرة على صنع المعجزات حتى في غياب الإمكانيات المادية.
ولم يكن غريبًا أن يزور هذا المكان فنانون كبار، من بينهم الفنان أشرف عبد الباقي، ليشهدوا كيف يمكن للحلم الصادق أن يصنع مواهب حقيقية من قلب الهامش.على مدار هذه الرحلة، نجح تياترو الصعيد في تأسيس نحو 8 فرق مسرحية داخل المنيا، تقدم ورشًا مستمرة في التمثيل والإخراج والكتابة، وتسعى إلى خلق حركة مسرحية دائمة داخل المحافظة. ولم يكن التحدي فنيًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا.
ففي البداية، واجه الفريق نظرة ريبة من بعض أهالي المنطقة، الذين لم يعتادوا رؤية شباب بملابس مسرحية أو أشكال غير تقليدية، حتى ظن البعض أن المكان «كباريه». لكن كيرو تعامل مع الأمر بحكمة، وقرر تقديم عروض مجانية للبائعين الجائلين كل يوم جمعة، لتعريفهم بالمسرح ورسائله. ومع الوقت، تحوّل هؤلاء البائعون إلى أهم داعمي المشروع وحراسه الحقيقيين.
اليوم، يستقبل المسرح أكثر من 10 آلاف زائر سنويًا، نحو 40% منهم من الطبقة المتوسطة أو الأقل، في إنجاز ثقافي كبير بمدينة لم تعتد دفع ثمن تذكرة مسرح، ولا رؤية أبنائها يتعلمون الفن جنبًا إلى جنب مع التعليم التقليدي.ومن رحم هذه التجربة، وُلد مهرجان المنيا الدولي للمسرح، الذي يعد باكورة أعمال تياترو الصعيد الكبرى. مهرجان جاء ليمنح الفرق المستقلة في المنيا – والتي يتجاوز عددها 40 فرقة – فرصة للظهور دون أن تتحمل أعباء السفر إلى القاهرة.
حلم كان يراود كيرو منذ طفولته، حين كان يسافر لحضور المهرجان القومي والتجريبي في العاصمة، متسائلًا: لماذا لا يحدث هذا في المنيا؟ورغم النجاح الفني الكبير للمهرجان، فإن التحدي الأكبر ظل التمويل.
ورغم ذلك، لم يتراجع، بل اعتبر ما يحدث حلمًا يخص منطقة بأكملها.وقد نجح المهرجان في لفت أنظار دول عربية وأجنبية، وتحدثت عنه صفحات وزارات ثقافة خارجية، بفضل اختيارات دقيقة للعروض، قائمة على الجودة الفنية، والبعد عن السياسة والجنس، والتركيز على قيم السلام والتنوع، مع تنوع بين عروض جماهيرية، وعروض لجان التحكيم، ومونودراما.جهود كيرو صابر لم تمر دون تقدير، إذ تم تكريمه في برشلونة – إسبانيا في يوليو 2024، ضمن 24 فنانًا على مستوى العالم يعملون في مناطق مهمشة، اعترافًا بتجربته الفريدة في استخدام الفن كأداة للتغيير المجتمعي.
اليوم، يحلم كيرو بأن يصبح مهرجان المنيا أكثر دولية في دوراته القادمة، بمشاركة عروض من أوروبا وأمريكا وكل قارات العالم، وبوجود رعاة يخففون العبء المالي، ليظل التركيز منصبًا على الفن. ويحلم أيضًا بأن تتحول المنيا خلال خمس سنوات إلى مدينة مسرحية مفتوحة، على غرار مدينة أفينيون الفرنسية، حيث تمتلئ الشوارع بالعروض، وتستضيف بيوت الأهالي الفرق المسرحية، بما يخلق رواجًا ثقافيًا واقتصاديًا حقيقيًا.
ويؤمن كيرو صابر أن ما تحقق حتى الآن ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وأن التجربة رسالة لكل شاب: يمكن للحلم أن يتحقق بالإصرار، حتى بإمكانات مادية محدودة، إذا كان وراءه صبر وعزيمة ورؤية واضحة.































