آمالٌ عديدة بزغت في عام 2025 تحت عنوان «السلام»، ولم تتحوّل بعد إلى واقع ملموس ومعاش. وتتفاوت توقعات عام 2026 في شأنها بين استكمال الجهود واحتمالات التصعيد قبل العودة إلى إنضاج حلول كانت متوفرة وجرى استبعادها. فالحروب تُنشِئ وقائع على الأرض، وليس مؤكَّداً أن تكريسها كمكاسب يمكن أن يؤسس استقراراً دائماً لمصلحة الأطراف المتورّطة في أي صراع. وإذا لم يكن الهاجس الرئيسي تأسيس «الاستقرار» على أسس عادلة ومتوازنة، فإن أي اتفاقات «سلام» يوقَّع عليها تبقى هشّة وموقّتة في انتظار ظروف مختلفة. وبموازاة البحث عن السلام ويؤمل أن يكون في سياقه، وليس العكس، بدا 2025 وكأنه عام الذكاء الاصطناعي بامتياز، إذ بات هاجس الدول والحكومات واستعداداتها للاستثمار فيه رغم تباينها في درجات التقدّم واستخدام تكنولوجيا المعرفة. ومع أن هذا الذكاء يوجد نظرياً منذ خمسينيات القرن الماضي واستمر قيد التداول والتطوير إلى أن أصبح متوفّراً بأنواع متعدّدة، إلا أنه بات متصدّراً إلى حدّ فرض نفسه باعتباره «شخصية العام» بالنسبة لمجلة «تايم» في تقليدها السنوي المستمر منذ عام 1927. وتتفق التوقعات على أن اندفاعات هذا المنجز البشري التقني ستزداد قوّةً خلال السنة المقبلة، حتى أن الإنفاق عليه مرشحٌ لأن يتجاوز تريليونَيْ دولار.وثمة سيناريوهات تتصوّر أنه بحلول أواخر عام 2027 سيصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى من التفوق يتجاوز قدرات مطوّريه، لأنه سيستمر في التعلم من دون توقف، وسيطوّر لغة برمجية فائقة السرعة خاصة به، إلى درجة أن النسخ السابقة منه قد تعجز عن مجاراته. هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يبتكر حلولاً للصراعات القائمة؟لا بدّ أن المعنيين لجأوا إليه، خصوصاً أن استراتيجية الرئيس دونالد ترامب وضعت هدف إنهاء الحروب خارجياً بمستوى «ماغا» (جعل أميركا عظيمة مجدداً) داخلياً، ولكن هل أخفق هذا الذكاء في المهمة أم أن تعقيدات الصراعات فاقت قدراته، أم أنه اختُرع أصلاً لعالم مستقرٍّ بلا حروب؟ أظهرت بعض الوقائع أنه استُخدم في العمليات القتالية، وكشفت تقارير مستقبلية أنه سيلعب دوراً في أي حروب جديدة، غير أنه ربما لم يُجرَّب بصرامة في بلورة اتفاقات سلام.فالأوراق المتنقّلة لوقف الحرب في أوكرانيا، من واشنطن إلى موسكو وكييف والعواصم الأوروبية، تُبيّن أن ما يُقبل هنا يُرفض هناك، والعكس بالعكس، أي أن الذكاء البشري لا يستطيع التوفيق بين المطالب والشروط والطموحات، ولا بين الأمر الواقع وما اصطُلح على اعتباره «عادلاً» في القوانين الدولية. على أي حال، كانت للرئيس الأميركي محاولاته ومبادراته لإنهاء الحروب، وربما يطرح المزيد منها في السنة المقبلة، لكنها اصطدمت وستصطدم حتماً بتساؤلات عن «الضمانات» المستقبلية، إذ يطرحها الأوروبيون عما بعد أوكرانيا، ويثيرها العرب عما بعد غزّة، ولعلّها مثارة الآن بعد الحروب التي أمكن وقفها (الكونغو الديمقراطي، كمبوديا وتايلاند، باكستان والهند.. إلخ) من دون اتفاقات مدروسة أو الحروب الأخرى المحتمل وقوعها.وإذا كانت هناك إنجازات، كوقف إطلاق النار في غزّة، فإنه ينتظر قرارات حاسمة للانتقال به إلى مرحلة تالية لا بدّ منها، وربما يستلزم إجراءات استثنائية للتعامل مع طوارئ، مثل المنخفض الجوي «بايرون» الذي فاقمت عواصفه بؤس أهل غزّة ومعاناتهم. وفي طليعة الصراعات المتفاعلة لا شك أن حرب السودان ستكون من أولى الأزمات المطلوب وضع حدّ لها في السنة المقبلة، إذ تأكّد أن إهمالها سيقود إلى مزيد من الكوارث.


