dhl
dhl

عائشة المري تكتب: الإمارات.. الفعل والتأثير الدولي

لم يعد العالَم يُدار وفق خرائط القوة التي استقرت في الوعي الدولي طوال القرن الماضي، ولم تعد مراكز النفوذ جامدةً أو محكومةً بمعادلات تقليدية، بل أصبحت انعكاساً لتوازنات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها عناصر الاقتصاد والتكنولوجيا والاستقرار المؤسسي، إضافةً إلى القدرة على التأثير في الرأي العام العالمي وصناعة الصورة. وفي هذا السياق، لم يعد الإعلام مجرد شاهد على التحولات، بل بات أحد أدوات القوة نفسها، يرسخ المكانةَ أو يضعفها، ويمنح الدولَ وزناً يتجاوز حدودَ الجغرافيا والإمكانات المادية. هذا التحول العميق أفرز نظاماً دولياً أقلَّ مركزيةً، وأكثر انفتاحاً على صعود قوى جديدة استطاعت قراءة اللحظة التاريخية مبكراً. ومع تراجع فكرة القطب الواحد، برزت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كأحد الفاعلين الجدد في صياغة التوازنات الدولية، سياسياً واقتصادياً وتنموياً. فقد أعادت هذه الدول تعريفَ موقعها، وانتقلت من دائرة التأثر إلى دائرة التأثير.غير أن التجربة الخليجية لا تُختزل في وفرة الموارد وحدها، وإنما تتمثل ميزتُها الحقيقية في القدرة على تحويل الثروة إلى نفوذ مستدام، وإلى نماذج استقرار جذبت الاستثمارَ وبنتْ الثقةَ. وفي وقت أخفقت فيه مناطق أخرى غنية بالموارد، بسبب هشاشة المؤسسات أو تقلب السياسات، نجحت دول الخليج، بدرجات متفاوتة، في ترسيخ حضور دولي متنامٍ. وداخل هذا المشهد، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها التجربة الأكثر نضجاً وتكاملًا. فالإمارات اليوم ليست مجردَ اقتصاد منفتح أو مركز مالي نشط، بل دولة حديثة بملامح واضحة. لقد استطاعت، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، أن توازن بين الطموح والواقعية، بين الانفتاح والسيادة، وأن تقدم نموذجاً للاستقرار القابل للتكيف مع المتغيرات. ولهذا لم يكن تقدمها إقليمياً ودولياً حدثاً عابراً، بل نتيجة مسار مدروس مكّنها من منافسة دول صناعية عريقة في مؤشرات التنافسية والجاهزية للمستقبل.ويظل العامل الدبلوماسي أحد أهم مفاتيح هذا التمركز. فالدبلوماسية الإماراتية، التي قامت على بناء الشراكات وتجنب الاستقطاب، أصبحت أداة استراتيجية تعزز حضورَ الدولة وتوسع هوامش حركتها. إنها دبلوماسية تمارس دورَها بهدوء وحكمة، حاضرةً في مسارات الوساطة، فاعلةً في المنظمات الدولية، ومؤثرةً في ملفات العمل الإنساني، وقادرةً على الجمع بين أطراف متباعدة في عالم شديد الانقسام. وبهذه الدبلوماسية الهادئة والحكيمة، استطاعت الإمارات ترسيخَ صورتها كراعٍ عالمي لقيم التسامح والتعايش الإنساني.اقتصادياً، لم يكن تنويع الاقتصاد ومصادر دخله شعاراً مرحلياً، بل كان وما يزال خياراً استراتيجياً. فالتوسع في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد المعرفي.. عزز قدرةَ الإمارات على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية، ورسّخ موقعَها كشريك دولي موثوق. وتفسر هذه المقاربةُ حضورَها المتقدم في مؤشرات التنافسية والتنمية البشرية، كما تعكس نجاحَها في جعل الاستثمار في الإنسان ركيزة ثابتة في مشروعها الوطني، مقارنةً بدول تمتلك مواردَ مشابهة لكنها لم تحقق الأثرَ ذاته.أما المستقبل، فيبدو مفتوحاً على سباق عالمي لصياغة معايير جديدة تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات، وتمويل المناخ، وأنماط التنمية المستدامة. وفي هذا السباق، تبدو الإماراتُ مؤهلةً للانتقال من موقع الفاعل المتقدم إلى موقع الفاعل المؤثر، ليس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تمتلكه من رؤية واستقرار وقدرة على تحويل الطموح إلى سياسات عملية.في عالم يعاد تشكيله على أساس الكفاءة لا الكثرة، لم تعد القوة تقاس بمن يملك أكثر، بل بمن يدير أفضل. وفي هذا السياق، لا تبدو الإمارات حالة استثنائية عابرة، بل تعبيراً عن تحول أعمق في معنى الدولة ودورها. فهي لا تنتظر موقعها في النظام الدولي القادم، بل تشارك، بهدوء وثبات، في صياغته.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.