dhl
dhl

جرائم داخل البيوت… العنف الأسري يحصد أرواح النساء

القاهرة _ أميرة المحمدي :

«القصص التي تصلنا هي فقط تلك التي انتهت بالموت، بينما تعيش آلاف النساء العنف نفسه يوميًا، في صمت، لأنهن لم يمتّن بعد.»لم يعد العنف ضد المرأة حوادث فردية متفرقة، بل تحوّل إلى ظاهرة مقلقة تتكرر بصور مختلفة، داخل البيوت التي يُفترض أن تكون أكثر الأماكن أمانًا. عنف يبدأ بكلمة أو صفعة، ويتدرج إلى إهانة، تحكم، ضرب، ثم في حالات كثيرة ينتهي بجريمة قتل تُضاف إلى سجل طويل من النساء اللاتي فقدن حياتهن لأنهن فقط… نساء.في مصر، كما في كثير من دول العالم، تشير الإحصاءات إلى أن ما يقرب من ثلث النساء المتزوجات تعرّضن لشكل من أشكال العنف الأسري، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا. أرقام صادمة تعكس واقعًا مخفيًا خلف الجدران، لا يظهر إلا عندما تتحول القصة إلى جريمة، أو عندما تفشل الضحية في الصمت أكثر.

العنف الأسري لا يقتصر على الزوج وحده، بل يمتد أحيانًا إلى الأهل، تحت مسميات مثل “التربية” أو “الخوف” أو “السمعة”، بينما الحقيقة أنه عنف مُقنَّع بثقافة تبرر السيطرة على جسد المرأة وقراراتها وحياتها. ومع الوقت، يتحول هذا العنف إلى نمط يومي تعتاده الضحية، وتخشى الإفصاح عنه خوفًا من المجتمع أكثر من خوفها من المعتدي.خلال السنوات الأخيرة، شهد الشارع المصري عدة وقائع مأساوية لنساء لقين حتفهن نتيجة العنف الزوجي، كان آخرها واقعة كريمة، فتاة المنوفية، التي رحلت بعد تعرضها لتعذيب قاسٍ على يد زوجها. كريمة لم تكن حالة استثنائية، بل واحدة من سلسلة طويلة لنساء انتهت حياتهن تحت مسمى “خلافات أسرية”.

الجريمة أثارت موجة غضب واسعة، ليس فقط بسبب قسوتها، بل بسبب التعليقات التي أعقبتها، والتي كشفت حجم التطبيع المجتمعي مع العنف، حين برر البعض ما حدث، أو قلل من فداحته، وكأن ضرب الزوجة أمر عادي يمكن تجاوزه.في محافظات عدة، تتكرر الوقائع نفسها: زوج يعتدي، أسرة تتدخل بالصمت، جيران يسمعون ولا يبلغون، وضحية تُترك وحدها حتى تصل إلى المستشفى… أو المشرحة. وتشير تقارير حقوقية وطبية إلى أن نسبة غير قليلة من وفيات النساء غير الطبيعية تعود إلى العنف داخل الأسرة، وغالبًا ما تسبقها سنوات من الإيذاء النفسي والجسدي.

تشير أحدث البيانات الرسمية والدولية إلى أن العنف ضد المرأة لم يعد ظاهرة هامشية، بل واقعًا واسع الانتشار. ففي مصر، تُظهر الدراسات أن ما يقرب من 31 إلى 33% من النساء المتزوجات تعرضن لشكل من أشكال العنف الأسري، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا، على يد الزوج أو أحد أفراد الأسرة. وتؤكد هذه الأرقام أن واحدة من كل ثلاث نساء تقريبًا عاشت تجربة عنف داخل بيتها، في صمت غالبًا، ودون اللجوء إلى الإبلاغ أو طلب المساعدة.وعلى المستوى العالمي، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن امرأة من بين كل ثلاث نساء حول العالم تتعرض للعنف من شريك حميم خلال حياتها.

هذا الرقم لا يعكس فقط حجم الأزمة، بل يضع العنف ضد المرأة في مصاف أكبر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا، متجاوزًا الحدود والثقافات والديانات.الأخطر أن العنف الأسري لا يقف عند حد الإيذاء، بل يتحول في كثير من الحالات إلى قتل. تقارير طبية وحقوقية تشير إلى أن نسبة كبيرة من وفيات النساء غير الطبيعية ترتبط مباشرة بالعنف داخل الأسرة، سواء من الزوج أو أحد الأقارب. وفي بعض المحافظات، تكشف المتابعات الميدانية عن تكرار جرائم قتل زوجات خلال فترات زمنية قصيرة، ما يؤكد أن الأمر لم يعد حوادث فردية، بل نمطًا متكررًا.

ورغم خطورة الأرقام، فإن نسبة الإبلاغ عن العنف لا تزال منخفضة للغاية. كثير من النساء يفضلن الصمت خوفًا من الوصم المجتمعي، أو فقدان الأطفال، أو الضغط الأسري، أو غياب الثقة في منظومة الحماية. هذا الصمت الإجباري يجعل الأرقام المعلنة أقل بكثير من الواقع الحقيقي، ويترك آلاف الحالات حبيسة الجدران المغلقة.

العنف لا يقتل الجسد فقط، بل يدمّر النفس. كثير من النساء المعنفات يعانين من الاكتئاب، القلق، فقدان الثقة بالنفس، واضطرابات نفسية حادة، بينما يدفع الأطفال ثمنًا مضاعفًا، حين ينشأون داخل بيئة مشحونة بالخوف والعنف، ما يعيد إنتاج الدائرة نفسها في المستقبل.

ورغم وجود قوانين تُجرّم الاعتداء، فإن فجوة كبيرة ما زالت قائمة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي، إلى جانب ضعف الوعي بحقوق المرأة، والخوف من الوصم الاجتماعي، وغياب منظومة دعم كافية تتيح للضحية اللجوء الآمن والسريع قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة.العنف ضد المرأة ليس شأنًا خاصًا، ولا “خلافًا عائليًا”، بل جريمة مكتملة الأركان، وانتهاك واضح للكرامة الإنسانية.

كل امرأة تُقتل نتيجة العنف الأسري هي شهادة فشل جماعي: فشل في الحماية، فشل في التدخل، وفشل في الاعتراف بأن الصمت شراكة غير مباشرة في الجريمة.العنف ضد المرأة ليس رقمًا في تقرير، ولا خبرًا عابرًا على مواقع التواصل، ولا قضية تُستدعى فقط عند وقوع جريمة صادمة. هو جرح مفتوح في جسد المجتمع، يتسع مع كل مرة نبرره، أو نقلل منه، أو نعتبره شأنًا خاصًا لا يخص أحدًا.

كل امرأة تُضرب في صمت، كل زوجة تُهان باسم “الطاعة”، كل فتاة تُكسر روحها خوفًا من الفضيحة، هي إنذار واضح بأن الخلل أعمق من مجرد قانون أو واقعة. الخلل في ثقافة تتسامح مع العنف، وتتعاطف مع الجاني، وتطالب الضحية بالصبر والتحمل، وكأن الألم واجب أنثوي لا فكاك منه.قضية كريمة، وغيرها من النساء اللاتي فقدن حياتهن داخل بيوتهن، ليست نهاية مأساوية لحكايات فردية، بل مرآة تعكس فشلًا جماعيًا في الحماية، وفي التدخل المبكر، وفي الاعتراف بأن العنف جريمة لا مبرر لها، مهما كانت الظروف أو الذرائع.

إن مواجهة العنف ضد المرأة تبدأ بالاعتراف به، وتسميته باسمه الحقيقي، لا تجميله ولا تبريره. تبدأ بتطبيق صارم للقانون، وبمنظومة دعم حقيقية للنساء، وبخطاب مجتمعي واضح يقول بلا تردد: الضرب جريمة، والإهانة جريمة، والقتل نتيجة طبيعية للصمت الطويل.البيوت التي تُقتل فيها النساء ليست آمنة، والمجتمعات التي تصمت على العنف شريكة فيه. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: كم امرأة أخرى ستُعنف؟بل: كم امرأة يجب أن تموت، قبل أن نقرر جميعًا أن هذا العنف غير مقبول… تمامًا؟

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.