القاهرة – كارول كرم:
في عالم المطاعم، لا يكفي أن تقدم طعامًا جيدًا فقط، بل تحتاج إلى رؤية، وانضباط، وصدق مع نفسك قبل العميل. قليلون هم من يستطيعون تحويل “أكلة شعبية” اعتادها الناس إلى علامة تجارية لها هوية ونظام وشخصية واضحة.
من هنا تبدأ حكاية «حواوشينو»، البراند الذي خرج من عباءة الشعبية التقليدية ليعيد تعريف الحواوشي، ليس كمجرد وجبة، بل كتجربة متكاملة تبدأ من اختيار الخامات، وتمر بالتحضير، ولا تنتهي إلا بعد التواصل مع العميل نفسه.
في عالم المطاعم، النجاح الحقيقي لا يصنعه الطعم وحده، بل تصنعه الحكاية، والرؤية، والقدرة على التعلم من الخسارة قبل الاحتفال بالربح. قليلون هم الذين يمتلكون شجاعة الاعتراف بأن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود، وأن البدايات لم تكن مثالية، لكنهم رغم ذلك أصروا على الاستمرار، والتصحيح، والبناء من جديد على أسس أقوى وأكثر وعيًا.
من قلب الإسكندرية، خرج اسم «حواوشينو» ليعيد تعريف الحواوشي من مجرد وجبة شعبية إلى تجربة متكاملة، لها هوية واضحة، ونكهة خاصة، ونظام إداري لا يقل احترافية عن أكبر العلامات التجارية.
خلف هذا النجاح يقف الأونر أيمن، وشريكه وصديق عمره أسامة نصر، في نموذج نادر لشراكة مبنية على الثقة قبل الحسابات، وعلى الصداقة قبل العقود.

“إحنا صحاب من أولى إعدادي”، جملة قد تبدو عادية، لكنها في حالة أيمن وأسامة تختصر رحلة طويلة من التفاهم، والاتفاق، والاختلاف أحيانًا، لكن دون أن تهتز القاعدة الأساسية: لا يوجد شيء اسمه «ما تشركش صحابك»، طالما هناك اتفاق، واحترام، ونظام واضح، وهدف مشترك للنجاح.
على مدار ثلاث سنوات فقط، استطاع «حواوشينو» أن ينتقل من فكرة جانبية بجوار وظيفة أساسية، إلى براند متخصص له عدة فروع في الإسكندرية، وفرع حديث في قلب القاهرة بمنطقة الكوربة، في خطوة يعتبرها المؤسسون بداية حقيقية لانطلاقة أكبر خلال الفترة القادمة.
في هذا الحوار، يفتح الأونر أيمن قلبه ويحكي تفاصيل الرحلة كما هي، بلا تجميل: عن الخسارة والتعلم، عن هدر الخامات، عن القرارات الصعبة بإغلاق فروع، عن سر الخلطة، وعن فلسفة إدارية مختلفة جعلت «حواوشينو» ليس مجرد مطعم، بل كيان منظم يضع العميل في قلب التجربة من أول لقمة… إلى ما بعد آخر طلب.

كيف بدأت فكرة «حواوشينو»، ومن أين جاءت الشراكة بينك وبين أسامة نصر؟
الفكرة بدأت ببساطة جدًا، وكانت في الأساس مشروع جانبي جنب شغلي الأساسي. أنا وأسامة صحاب من أولى إعدادي، عشرة عمر بجد، وكبرنا مع بعض، واتعلمنا مع بعض، وقررنا نخوض التجربة سوا.
الناس دايمًا تقولك “ما تشركش صحابك”، لكن أنا مؤمن إن مفيش قاعدة مطلقة، طول ما في اتفاق، وطول ما في احترام، وطول ما في أساس صح للنجاح، الشراكة بتبقى أقوى، مش أضعف. إحنا متفاهمين جدًا، وكل واحد عارف دوره وحدوده، وده اللي حافظ على نجاح التجربة لحد دلوقتي.
في البداية، واجهتم خسائر كبيرة… ما السبب الحقيقي وراء الخسارة؟
الخسارة في البداية ما كانتش بسبب البيع بسعر قليل، بالعكس. السبب الأساسي كان غياب التخطيط الدقيق، وهدر كبير جدًا في الخامات، وعدم وجود سيستم واضح لإدارة المخزون. كنا بنتعلم، وده طبيعي في أي بداية.
أحيانًا خامات بتبوظ، أحيانًا تقديرات غلط للكميات، ومع الوقت اكتشفنا كمان إن في تلاعب من بعض الموظفين، وده درس قاسي لكنه مهم. الخسارة علمتنا إن أي مشروع أكل، مهما كان بسيط، لازم يدار بعقلية مصنع، مش بعقلية محل.
متى بدأت ملامح التحول الحقيقي في مسار «حواوشينو»؟
التحول الحقيقي حصل لما أدركنا إن الجودة لوحدها مش كفاية، ولا السعر لوحده كفاية. لازم توازن. وقتها بدأنا نشتغل على سيستم واضح، ونحسب كل حاجة بالأرقام، من تكلفة الجرام الواحد لحد سعر البيع النهائي. بدأنا نفهم إن النجاح مش في البيع الكتير، لكن في البيع الصح، وبالطريقة الصح.
حدثنا عن فكرة المطبخ المركزي، ولماذا كانت نقطة مفصلية في التجربة؟
المطبخ المركزي كان قرار جريء جدًا. قررنا نفصل تجهيز اللحوم والسجق عن الفروع نفسها، علشان نضمن جودة ثابتة في كل مكان. استخدمنا نفس الخامات، نفس النسب، نفس المعايير.
المشكلة إن تكلفة تشغيل مطبخ مركزي على فرع واحد كانت عالية جدًا، وده اللي خلانا نفكر في التوسع المدروس، وفتح فروع في سموحة ومحمد نجيب علشان نوزع التكلفة ونستفيد من السيستم صح.
رغم التوسع، اتخذتم قرار إغلاق بعض الفروع… لماذا؟
دي من أصعب القرارات اللي أخدناها. كان عندنا فروع زي بحري، قنا، والبيطاش، لكن بعد سنة من الخسائر المستمرة، كان لازم نوقف ونراجع.
الإصرار على الغلط مش شطارة. قررنا نغلق الفروع غير الناجحة ونركز على الأماكن اللي بتدي نتيجة حقيقية، سواء في الإسكندرية أو القاهرة. القرار كان مؤلم، لكنه أنقذ البراند.
ما سر «خلطة حواوشينو» التي يتحدث عنها الجميع؟
إحنا معتمدين على لحوم حمراء طازجة فقط، من قطعيات الكتف والرقبة، من غير أي إضافات زي فول الصويا أو بدائل. بنضيف نسبة دهون مدروسة حوالي 30%، علشان نطلع طعم الحواوشي الأصلي، من غير ما يكون تقيل أو يسبب حموضة للعميل. الهدف دايمًا إن اللي ياكل يحس بالفرق من أول لقمة، سواء في الطعم أو النظافة.
كيف قام براند حواوشينو بتغيير “مفهوم الحواوشي”؟
إحنا أخدنا الحواوشي في حتة تانية خالص. ركزنا على التخصص، وعلى التنويع جوه نفس المنتج. عندنا حواوشي لحمة، فراخ، بسطرمة، ميكس تشيز، وكل ده في العيش المتحمس اللي الناس بتحبه. العميل حتى لو مش عايز لحمة، يلاقي بدائل بنفس الروح. الميكسات بتاعتنا هي بصمتنا، وده اللي مخلينا بلا منافس في فئتنا.
من الواضح إن الإدارة وخدمة العملاء جزء أساسي من فلسفتكم؟
طبعًا. إحنا حولنا المكان من مجرد محل أكل إلى شركة كاملة. عندنا محاسبة، HR، كول سنتر، وقسم متابعة عملاء. ثاني يوم أي أوردر، في موظفة بتكلم العميل تسأله عن كل حاجة: الأكل وصل سخن ولا لأ، الطعم، أسلوب الدليفري، الكول سنتر. الخدمة دي مش موجودة في براندات أكل كتير، وإحنا محافظين عليها من أول يوم.
من وجهة نظرك، ما الفرق الحقيقي بين الشخص الناجح والشخص العادي؟
التركيز. الشخص الناجح بيحسب خطواته، وبيحط خطة واضحة ويمشي عليها. حتى لو خطة لـ3 شهور بس، لازم يكون عارف هو رايح فين. النجاح مش حظ، النجاح حسابات والتزام.
أين ترى «حواوشينو» بعد خمس سنوات؟
شايفه أكبر براند حواوشي في العالم إن شاء الله. الطموح كبير، والحلم كبير، وطول ما في شغل صح، ربنا بيكرم.
ما النصيحة التي كنت تتمنى أن تسمعها في بدايتك؟
أي مشروع، مهما كان صغير، لازم يكون له سيستم وإدارة. وأهم حاجة في التسويق مش السوشيال ميديا، أهم حاجة “Word of Mouth”. العميل لو حب الأكل، هو اللي هيجيب غيره، وهيبقى أحسن إعلان ليك.كيف ترى مسؤوليتك تجاه فريق العمل؟بحاول أكون قريب منهم، أفهم مشاكلهم، وأساعدهم. لما الموظف يكون مرتاح، الشغل كله بيتظبط. الناس اللي معانا مش مجرد استاف، دول شركاء نجاح.
كيف تحوّل حواوشينو من محل إلى شركة؟
مع النمو، أدرك الشريكان أن الاستمرار يتطلب هيكلًا إداريًا واضحًا.

اليوم يضم البراند إدارات للمحاسبة، والموارد البشرية، وكول سنتر، إلى جانب قسم متخصص لمتابعة العملاء، حيث يتم التواصل مع العميل في اليوم التالي للطلب للتأكد من جودة الأكل، وحرارته، وأسلوب الدليفري، وتجربة الطلب بالكامل.
هذه التفاصيل الصغيرة تعكس عقلية إدارية ناضجة، ترى أن العميل لا ينتهي دوره عند الدفع، بل يبدأ عند الرضا.
ما الذي يجعل حواوشينو مختلفًا عن غيره؟
الاختلاف يبدأ من المطبخ.يعتمد البراند على لحوم حمراء طازجة من قطعيات الكتف والرقبة، دون أي إضافات مثل فول الصويا، مع نسبة دهون مدروسة بدقة تضمن الطعم الأصلي دون أن يشعر العميل بثِقل أو إزعاج.
كما لم يكتفِ «حواوشينو» بالحواوشي التقليدي، بل قدم مكسات مبتكرة تلبي مختلف الأذواق، من الحواوشي بالبسطرمة والفراخ إلى الميكس تشيز، مع الحفاظ على العيش المتحمس كعنصر أساسي في التجربة.
كيف تبدو خريطة فروع حواوشينو اليوم؟
في الإسكندرية، ينتشر البراند في:محرم بك – سموحة – محمد نجيب – هانوفيل – محطة الرمل،إلى جانب أحدث الفروع في الكوربة بالقاهرة، والذي يمثل بداية جديدة وطموحًا أكبر في سوق العاصمة.

















