القاهرة _ أميرة المحمدي:
لم يعد الحرم الجامعي بالنسبة لآلاف الشباب مساحة مخصّصة للدراسة فقط، بل أصبح محطة عابرة بين محاضرة وعمل، وبين حلم مؤجّل ومسؤولية حاضرة. مشهد الطالب الذي يحمل حقيبته الجامعية في يد، وهاتفه الذي يدير من خلاله عمله الخاص في اليد الأخرى، بات صورة مألوفة تعكس تحوّلًا عميقًا في علاقة الشباب بالتعليم وسوق العمل، حيث لم يعد الانتظار حتى التخرج خيارًا مضمونًا.الدافع الأول وراء هذا التحول ليس الطموح وحده، بل الإحساس المتزايد بأن الشهادة الجامعية، رغم أهميتها، لم تعد كافية لتأمين مستقبل مستقر.
ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط الأسر، وتراجع فرص العمل التقليدية، دفعت كثيرًا من الطلاب إلى البحث عن مصادر دخل مبكرة، ليس فقط لتغطية مصروفاتهم، بل للمشاركة في أعباء أسرهم، أو لضمان حد أدنى من الاستقلال الاقتصادي.في هذا السياق، ظهر جيل جديد من الطلاب لا يكتفي بالعمل الجزئي التقليدي، بل يتجه إلى إنشاء مشروعاته الخاصة، مستفيدًا من التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. من التجارة الإلكترونية، إلى التسويق الرقمي، وصناعة المحتوى، وتقديم الخدمات عبر الإنترنت، أصبحت فكرة «العمل الحر» أو «ريادة الأعمال» بديلًا واقعيًا لدى كثيرين، يمنحهم شعورًا بالسيطرة على مستقبلهم، حتى وإن كان محفوفًا بالمخاطر.غير أن هذا المسار لا يخلو من التحديات، فالتوفيق بين متطلبات الدراسة والعمل يشكّل عبئًا نفسيًا وذهنيًا كبيرًا.
ساعات طويلة يقضيها الطالب بين المحاضرات والمهام الدراسية، ثم ينتقل مباشرة إلى متابعة العملاء أو إدارة مشروعه، في سباق يومي مع الوقت. ومع تراكم الضغوط، يجد بعض الطلاب أنفسهم مضطرين للتنازل عن جزء من التزامهم الدراسي، أو تأجيل أحلام أكاديمية لصالح متطلبات الواقع.ورغم ذلك، لا يرى كثير من هؤلاء الشباب في العمل المبكر تهديدًا لتعليمهم، بل يعتبرونه تجربة تعليمية موازية، تزوّدهم بمهارات لا تمنحها القاعات الدراسية، مثل إدارة الوقت، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرار، والتعامل مع الفشل. فالتجربة العملية، في نظرهم، أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن الدراسة النظرية، خاصة في سوق عمل يقدّر الخبرة أكثر مما يقدّر الشهادات وحدها.روّاد الأعمال من طلاب الجامعات يواجهون معادلة أصعب، إذ يتحملون مسؤولية مشروع كامل وهم ما زالوا في مرحلة التكوين.
بعضهم ينجح في تحويل فكرة بسيطة إلى مصدر دخل مستقر، بينما يتعثر آخرون في ظل نقص التمويل، وضعف الدعم المؤسسي، وغياب التوجيه. وبين النجاح والفشل، تتشكل خبرة قاسية لكنها واقعية، تصنع وعيًا مختلفًا لدى هذا الجيل.في المقابل، يثير هذا الواقع تساؤلات حول دور الجامعات في استيعاب هذا التحول. فالمؤسسات التعليمية ما زالت، في كثير من الأحيان، تتعامل مع الطالب باعتباره متفرغًا بالكامل للدراسة، دون مراعاة أن جزءًا كبيرًا منهم يعمل بالفعل، إما اضطرارًا أو اختيارًا.ومع اتساع دائرة العمل المبكر، تتغير نظرة الشباب لأنفسهم وللمستقبل، فلم يعد الطالب ينتظر سنوات الدراسة لينطلق بعدها إلى سوق العمل، بل أصبح السوق حاضرًا داخل يومه الجامعي، يفرض إيقاعه ومتطلباته.
هذا الاحتكاك المبكر يكشف للشباب واقعًا مختلفًا عما ترسمه المناهج، واقعًا لا يعترف بالمثالية بقدر ما يكافئ المرونة والقدرة على التكيف، وهو ما يدفع كثيرين لإعادة تعريف معنى النجاح لديهم.في قصص رواد الأعمال من طلاب الجامعات، يظهر طموح يتجاوز فكرة الربح السريع، إذ يرى بعضهم في مشروعه الصغير محاولة لاكتشاف الذات قبل التخرج، وتجربة مبكرة لبناء كيان مستقل. لكن هذا الطريق، رغم جاذبيته، يظل محفوفًا بالقلق وعدم الاستقرار، فالدخل غير ثابت، والمنافسة شرسة، والخوف من الفشل حاضر دائمًا، خاصة في ظل غياب مظلة أمان حقيقية تحمي هذه التجارب الناشئة.الضغط النفسي يصبح عاملًا مشتركًا بين معظم هؤلاء الطلاب، فالتوازن بين الدراسة والعمل لا يتحقق دائمًا، وقد يتحول الحلم بالاستقلال إلى عبء ثقيل.
بعض الطلاب يعانون من الإرهاق المزمن، وتراجع التركيز، وشعور دائم بأنهم مقصرون في أحد الجانبين، سواء في تحصيلهم الأكاديمي أو في تطوير أعمالهم. ومع غياب الدعم النفسي والمؤسسي، يتعامل كل طالب مع هذا الصراع بطريقته الخاصة، بين الصمود أو الانسحاب المؤقت.وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل أعمق حول مسؤولية المجتمع والدولة تجاه هذا الجيل. فالشباب الذين يعملون مبكرًا لا يطلبون امتيازات استثنائية، بقدر ما يبحثون عن بيئة أكثر تفهمًا لظروفهم، سواء من خلال نظم تعليمية أكثر مرونة، أو برامج دعم حقيقية للمشروعات الطلابية، أو حتى توعية تحميهم من استغلال سوق العمل في سنواتهم الأولى.
اللافت أن كثيرًا من الطلاب العاملين يكتسبون وعيًا اجتماعيًا واقتصاديًا مبكرًا، يجعلهم أكثر إدراكًا لقيمة الوقت والجهد، وأكثر حذرًا في اختياراتهم. هذا الوعي، رغم قسوته، يصنع جيلًا أقل اندفاعًا وأكثر واقعية، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاوف من أن يفقد الشباب جزءًا من حقهم الطبيعي في التجربة والبحث عن الذات دون ضغوط مادية خانقة.وبينما يرى البعض أن العمل المبكر قد يسرق من الطالب متعة الحياة الجامعية، يرى آخرون أنه أعاد تعريف هذه المرحلة، لتصبح مساحة للتعلم المزدوج، داخل القاعة وخارجها. فالتجربة العملية، مهما كانت قاسية، تمنح الشباب ثقة لا تُدرّس، وشعورًا بالقدرة على المواجهة في عالم لا يرحم المترددين.
في النهاية، يظل سؤال «دراسة أم بقاء؟» معلقًا دون إجابة قاطعة، لأن الواقع فرض معادلة أكثر تعقيدًا، لا تسمح بالفصل بين الاثنين. فطلاب اليوم لا يختارون العمل المبكر ترفًا، ولا يهجرون التعليم عبثًا، بل يحاولون النجاة وبناء مستقبل بأدوات محدودة في زمن مضطرب. وبين طموح يحلم بغدٍ أفضل، وواقع يضغط بقوة، يستمر هذا الجيل في السير على حبل مشدود، آملًا ألا يكون الثمن هو ضياع أحد الجانبين.




