القاهرة _ أميرة المحمدي :
قبل رفع الستار بدقائق، كان المسرح القومي يعيش حالة استثنائية يصعب تجاهلها. حركة لا تهدأ في الكواليس، وجوه يملؤها التركيز، وهمسات أخيرة بين الممثلين، بينما في الخارج كان توافد الجمهور يتزايد في مشهد يعكس الشغف المتجدد بالمسرح الجاد، وبعرض يحمل اسمًا ثقيلًا في تاريخ الدراما العالمية، هو «الملك لير»، بطولة النجم الكبير يحيى الفخراني.
خلف خشبة المسرح، بدت الاستعدادات في ذروتها؛ فريق العمل يراجع أدق التفاصيل، الإضاءة تُختبر للمرة الأخيرة، والديكور يستعد لاحتضان مأساة شكسبيرية كاملة، بينما كان يحيى الفخراني حاضرًا بهدوئه المعروف، متقمصًا روح الملك العجوز قبل لحظة المواجهة مع الجمهور. حالة من التوتر الإيجابي سيطرت على الأجواء، امتزجت بحماس واضح لدى الممثلين المشاركين في العرض، الذين يدركون أنهم جزء من تجربة مسرحية خاصة.
المسرحية، المأخوذة عن نص الكاتب العالمي ويليام شكسبير، يقدمها المسرح القومي في صياغة تحافظ على عمق النص الكلاسيكي مع روح معاصرة في الإخراج، تحت قيادة المخرج شادي سرور، الذي حرص على تقديم رؤية تعتمد على الأداء التمثيلي القوي والاعتماد على الممثل كعنصر أساسي في نقل المأساة الإنسانية التي يحملها النص.
ويشارك في بطولة العرض إلى جانب يحيى الفخراني نخبة من الفنانين، من بينهم طارق دسوقي، تامر الكاشف، حسن يوسف، أحمد عثمان، أمل عبد الله، إيمان رجائي، محمد العزايزي، وغيرهم من ممثلي المسرح القومي، الذين قدموا أدوارهم ضمن حالة من الانسجام الواضح على الخشبة، انعكست على أجواء الكواليس قبل بدء العرض.
أما خارج القاعة، فقد اكتمل المشهد بتوافد جماهيري لافت، ضم مختلف الأعمار؛ جمهور جاء بدافع حب شكسبير، وآخرون بدافع ارتباطهم الطويل بمشوار يحيى الفخراني المسرحي، خاصة مع شخصية «الملك لير» التي سبق أن قدمها في محطات مهمة من تاريخه الفني، ما جعل العرض يحمل بعدًا وجدانيًا خاصًا لدى كثيرين.وقبل أن تُطفأ الأنوار، سادت القاعة حالة من الصمت والترقب، وكأن الجميع ينتظر لحظة عودة الملك إلى عرشه فوق الخشبة.
لحظة تؤكد أن المسرح ما زال قادرًا على جمع هذا العدد من الجمهور، وصناعة حالة فنية متكاملة، تبدأ من الكواليس ولا تنتهي مع إسدال الستار.ومع دقات الساعة الثامنة مساءً، أُطفئت الأنوار وبدأ العرض في توقيت منضبط، لتدخل القاعة في حالة صمت تام، سرعان ما تحولت إلى اندماج كامل مع أحداث المسرحية.
منذ المشاهد الأولى، فرض الجزء الأول من «الملك لير» نفسه بقوة؛ أداء تمثيلي عالي المستوى، إخراج متماسك، ديكور يعكس روح العصر والمأساة، وملابس جاءت متسقة مع النص الشكسبيري، في صورة فنية متكاملة تليق بقيمة العمل وبثقل اسمه في تاريخ المسرح العالمي.
الجزء الأول مرّ بسلاسة وعمق، وكان لافتًا الحضور الطاغي ليحيى الفخراني، الذي قدّم شخصية الملك لير بأداء ناضج ومشحون بالمشاعر، جمع بين القوة والانكسار، ليؤكد من جديد أنه واحد من أهم من وقفوا على خشبة المسرح المصري. حضور الفخراني لم يكن تمثيليًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا، وهو ما انعكس في تفاعل الجمهور مع كل مشهد تقريبًا.
ومع انطلاق الجزء الثاني، لم يتراجع الإيقاع، بل استمر العرض بنفس القوة، حيث قدم جميع الممثلين أدوارهم بإتقان واضح، وسط انسجام جماعي على الخشبة، عكس حجم العمل والجهد المبذول في البروفات. كل شخصية بدت في مكانها الصحيح، وكل مشهد حمل شحنته الدرامية كاملة، وسط حالة من الحب والتشجيع المستمر من الجمهور.
وخلال العرض، لم يتوقف التصفيق تقريبًا، إذ كان الجمهور شريكًا أساسيًا في الحالة المسرحية، يعبّر عن إعجابه بالمشاهد المؤثرة وبالأداء القوي، في مشهد أعاد إلى الأذهان ليالي المسرح الكبيرة التي يعيش فيها المتفرج التجربة من بدايتها حتى نهايتها.
وجاءت لحظة الختام في المشهد الأخير محمّلة بالمأساة، كما أرادها شكسبير، حيث سادت القاعة مشاعر التأثر الواضحة على وجوه الحاضرين، قبل أن تنفجر القاعة بالتصفيق فور إسدال الستار.
تصفيق طويل ومتواصل استمر لما يقرب من عشر دقائق، عبّر عن تقدير الجمهور للعرض ولأبطاله، وليختتم ليلة مسرحية أكدت أن «الملك لير» ما زال قادرًا على أسر القلوب، وأن المسرح، حين يُقدَّم بهذا الإخلاص، لا يفقد بريقه أبدًا .














