ترى نانسي بيلوسي، الرئيسة السابقة لمجلس النواب الأميركي وأحد أكثر الأصوات نفوذاً بالحزب «الديمقراطي»، أن الولايات المتحدة «أكثر من جاهزة» لانتخاب امرأة رئيسة للبلاد. وتُدرك بيلوسي، إحدى أبرز رموز الحزب «الديمقراطي»، وأول امرأة تتولى رئاسة مجلس النواب في تاريخ أميركا، أن هذا الموضوع يُثير قلقاً بين زملائها «الديمقراطيين».فقد سادت مشاعر الإحباط منذ أن أصبحت كامالا هاريس ثاني امرأة تخسر أمام دونالد ترامب وسياساته المُؤيدة للرجال. وقد سُئلت بيلوسي مراراً عن تصريح ميشيل أوباما المُثير للجدل الشهر الماضي بأن البلاد «ليست مستعدة» لقيادة امرأة، وهو رأي أيده النائب جيمس كلايبورن من ولاية كارولاينا الجنوبية، العضو المُخضرم في فريق قيادة بيلوسي السابق. وتشعر بيلوسي بخيبة الأمل والدهشة، إزاء استمرار العوائق أمام وصول المرأة إلى منصب الرئاسة.وتقول إنها لطالما توقعت أن تتولى امرأة منصب الرئاسة قبل أن تتولى امرأة رئاسة مجلس النواب الذي يهيمن عليه الرجال، وهو الحاجز الذي كسرته هي عام 2007. لكنها ليست متشائمة ولا يائسة، بل إنها واثقة، بل ومُصرة على أن حزبها يحتاج فقط إلى التركيز التام على اختيار «أفضل شخص» لقيادة البلاد وأن هذا الشخص «يمكن أن يكون امرأة». من وجهة نظرها، هناك أسباب كثيرة للتفاؤل، مثل فوز هيلاري كلينتون بالتصويت الشعبي عام 2016، وإلى صعودها الشخصي غير المتوقع داخل الكونجرس. ومع الإشارة إلى التقدم الذي تحققه النساء في المناصب المنتخبة على مختلف المستويات، تؤكد بيولوسي: «كلما زاد عدد النساء في تلك المناصب، أصبح من الواضح للجمهور أن إحداهن يمكنها أن تكون رئيسة».وتعرب عن سعادتها بالجيل الصاعد من النساء اللواتي يرين إمكاناتهن السياسية غير محدودة. وتستعيد ذكرياتها خلال زيارة إلى جامعتها الأم، جامعة ترينيتي في واشنطن، التي تخدم اليوم في الغالب نساء من الأقليات، حين أخبرتها الطالبات بفخرهن الشديد بها كرئيسة لمجلس النواب، لكنهم يأملن بأن تتولى إحداهن رئاسة البلاد. وبالطبع، يكمن جوهر هذا النقاش في السؤال حول ما يلزم المرأة لإقناع عدد كافٍ من الناخبين بأنها «الشخص الأنسب»، حيث يستحيل تحديد كيفية تفاعل العوامل الغامضة المختلفة مع ديناميكيات السباق الانتخابي، ومع أوجه القصور لدى المرشحة الحقيقية. ولطالما حاولت نساء بارزات الوصول إلى أعلى المناصب الرئاسية، لكنهن فشلن، مثل كلينتون، وهاريس، ونيكي هالي، وإليزابيث دول، وإليزابيث وارين، وإيمي كلوبوشار، وكارلي فيورينا، بينما ردد عدد لا يُحصى من الناخبين عبارة «سأكون سعيداً بدعم امرأة للرئاسة، لكن ليس تلك المرأة تحديداً».وبينما يعتقد معظم الناخبين بضرورة وجود المزيد من النساء في المناصب العامة، يقول 40% منهم أيضاً إنهم «يعرفون شخصاً لن يصوت شخصياً لامرأة للرئاسة»، وفقاً لاستطلاع حديث أجراه معهد المرأة والسياسة في الجامعة الأميركية. وفي ظل تغير التوقعات للنساء في المناصب العليا، وذوق الأميركيين في الرؤساء المعاصرين، لا توجد الآن خارطة طريق واضحة للفوز، بغض النظر عن جنس المرشح الرئاسي.لكن هناك العديد من المؤشرات التي تدل على نوع القيادات النسائية اللاتي يمتلكن المؤهلات اللازمة للوصول إلى منصب الرئاسة. وقد يكون من الأسهل البدء بالسلبيات. ونظراً لخبرتها السياسية، أوضحت بيلوسي ما لا ينبغي على المرشحات فعله، وأهمه ألا تجعل المرأة هويتها كامرأة محور حملتها الانتخابية، لأنها ليست نقطة تعبئة انتخابية. كما ينبغي على المرشحات أيضاً، كما توضح بيلوسي، تجنب حصر صورتهن السياسية في القضايا التي تُصنف كقضايا اجتماعية، إذ نصحت بعدم الاقتصار على الحديث عن كل الإنجازات الرائعة التي تُحققها المرأة في مجال رعاية الأطفال أو الرعاية الصحية.ويجب على النساء أن يُوضحن «أنهن موجودات لتعزيز أمننا القومي، وتحسين اقتصادنا، وجعله أكثر عدلاً». فالنساء في المناصب العامة يمكنهن «معالجة جميع القضايا». وتأكيداً لرأيها، وجد استطلاع أجرته الجامعة الأميركية أن الناخبين يثقون بالنساء أكثر من الرجال في «قضايا الأسرة»، بينما يُنظر إلى الرجال على أنهم أكثر كفاءة في اتخاذ «القرارات الصعبة» المتعلقة بالأمن القومي والتعامل مع الخصوم الأجانب.وتقول ديبورا والش، مديرة مركز المرأة الأميركية والسياسة في جامعة «روتجرز»، إنه على النساء إثبات كفاءتهن أكثر من الرجال، لاسيما فيما يتعلق بالمناصب التنفيذية، وهي مسألة تتعلق بالحزم والقوة. وتطرقت آنا غرينبيرغ، وهي خبيرة استطلاعات رأي «ديمقراطية»، إلى مسألة الحزم أيضاً، قائلة: «أحد أسباب نجاح النساء ذوات الخلفيات في مجال الأمن القومي هو وجود نزاهة وحزم في أداء هذا النوع من الوظائف، مثل أبيجيل سبانبرغر وميكي شيريل وإليسا سلوتكين، وغيرهن».لكنها أشارت إلى أن أنواعاً أخرى من الخبرات، مثل العمل في إنفاذ القانون أو كمدعية عامة، موضحة أن هاريس كان ينبغي أن تترشح منذ بداية عام 2020 لمنصب المدعية العامة، لأن ذلك ما يناسبها، وهي بارعة في هذا المجال. وقالت والش: «إحدى التحديات التي تواجهها النساء يتمثل في التوازن الدقيق بين كونهن محبوبات ويتمتعن بالمصداقية»، إذ يتوقع الناخبون كلا الأمرين، لكن من الصعب أن تكوني ودودة وقريبة من الناس عندما تسعين باستمرار لإثبات كفاءتك البالغة.وهذا يقودنا إلى حقيقة سياسية غريبة، وهي أنه عندما يتعلق الأمر بالرئاسة، فإن المؤهلات والخبرة ليستا سوى جزء من الصورة، بل جزء متناهي الصغر. وقالت بيلوسي إن هيلاري كلينتون كانت الشخص الأنسب لرئاسة البلاد آنذاك، وفقاً للمعايير التقليدية، بل كانت أكثر تأهيلًا من زوجها ومن باراك أوباما، ومن جورج دبليو بوش. لكن، لا أحد يهتم بما أنجزته، على حد قولها، لأنه لا يتم انتخاب أحد لأنه يستحق ذلك، بل ينتخبون الشخص لما سيستطيع القيام به.وشددت بيلوسي على أن طريقة إيصال الرسالة تعتبر مسألة حاسمة، رغم استخفاف المرشحين للرئاسة، وكذلك الرؤساء، بمسألة العلاقات العامة في تلك الوظيفة، مشيدة بقدرة ترامب على تسويق حتى أكثر الأفكار غرابة، واصفة إياه بأنه «بائع أوهام بارع». وترى أن الأميركيين يريدون من رؤسائهم أكثر من مجرد سيرة ذاتية لامعة أو براعة سياسية، مشيرة إلى أن بيل كلينتون وأوباما وترامب بارعون في بناء علاقات، وفي جعل المواطنين يشعرون بأنهم مرئيون، وفي إلهام الناخبين سواء إيجابياً أم سلبياً. وهو أمر عانت منه العديد من النساء في السياسة، لاسيما على أعلى المستويات. وتقول ليز سميث، وهي خبيرة في الاستراتيجيات السياسية الأميركية في الحزب «الديمقراطي» إن النساء لطالما احتجن إلى أن يكن نموذجيات للنجاح في السياسة، لكن الحياة السياسية لا تتعلق بمحاولة تجنب الزلات والأخطاء، بل يجب عدم تفويت فرصة فهم الأجواء واللحظة المناسبة، ولكي تنجح المرشحة، عليها أن تتخلى عن الحذر. وحسبما ترى سميث، اتضحت أهمية ذلك في مرحلة ما بعد 2016، حيث يرغب الأميركيون في مزيد من الصدق والأصالة. وأشارت إلى أن ترامب نجح في التعبير عن «الغضب البدائي تجاه المؤسسة والوضع القائم، وهو ما جعله صادقاً وحقيقياً في التعبير عن شخصيته».وأوضحت أن الجيل القادم من النساء «سيدات لا يحاولن أن يتقيدن بصورة نمطية ضيقة لما تبدو عليه المرشحة النموذجية، بل إنهن يستخدمن ألفاظاً نابية، ولديهن مواقف جريئة». وأعربت والش عن استيائها من حالة القلق والتردد السائدة حول ما إذا كانت أميركا مستعدة لرئيسة امرأة، حيث تخلق التساؤلات المتشككة العقبات. وأضافت أن الكثيرين قالوا إن الرجل ذو الأصول الأفريقية لا يمكنه الفوز بمنصب الرئيس، لكنه فاز. وهو ما يعني أن الوضع يتغير. ووفقاً لبيلوسي، حتى لو لم تنجح المرأة التالية، فلا ينبغي أن نعتبر ذلك كارثة، «إنهن يمهدن الطريق. وسيحدث ذلك في وقت ما بالتأكيد».


