dhl
dhl

«الذهب الأحمر» يخرج من طمي مصر… كيف غيّر الزعفران خريطة الزراعة من الدلتا إلى الصعيد؟

القاهرة – شيري عبدالحميد:

بينما كان العالم منشغلاً بمتابعة تحركات أسعار الذهب والدولار، كان عدد من المزارعين في قرية «شنراق» التابعة لمركز السنطة بمحافظة الغربية، إلى جانب مزارعين في بعض قرى الصعيد، ينقبون عن «ذهب» من نوع مختلف، يخرج هذه المرة من باطن الأرض في صورة زهرة صغيرة حمراء اللون.

إنها زهرة الزعفران، أو كما يلقبها التجار «الذهب الأحمر»، أغلى توابل في العالم، والتي وجدت لها موطئ قدم جديداً في طمي مصر، لتفتح الباب أمام تحول لافت في نمط الزراعة المصرية.التجربة، التي بدأت على نطاق محدود، سرعان ما لفتت الأنظار إلى إمكانية انتقال الفلاح المصري من زراعة المحاصيل التقليدية منخفضة العائد، إلى محاصيل عالية القيمة تعيد تعريف مفهوم الربح الزراعي.

«شنراق»… من زراعة القمح إلى تصدير الجرام

في قرية «شنراق»، تحولت بعض الحقول من زراعة القمح والبرسيم إلى زراعة الزعفران، في خطوة غير مسبوقة داخل الريف المصري. ويعكس هذا التحول تغييراً جذرياً في طريقة التفكير الزراعي، حيث انتقل المزارعون من بيع المحصول بـ«الإردب» إلى تسويقه بـ«الجرام».

اقرأ أيضاً…ارتفاع حاد في إنتاج النفط الأمريكي في أكتوبر

ويُعد الزعفران من أعلى المحاصيل سعراً على مستوى العالم، إذ قد يتجاوز سعر الكيلو الواحد منه آلاف الدولارات، وهو ما شجع المزارعين على خوض التجربة، خاصة مع نجاح التربة المصرية في استضافة بصلات الزعفران التي كانت تُستورد في السابق من دول مثل إيران وإسبانيا.

كما كشفت التجربة أن الزعفران يُعد من المحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه مقارنة بالمحاصيل التقليدية، وهو ما يجعله خياراً مناسباً في ظل التحديات المائية التي تواجهها مصر، ويمنحه ميزة إضافية كونه صديقاً للبيئة.

الصعيد يدخل الحلبة… «خيوط الذهب» تغزو الجبل

لم تقتصر تجربة «الذهب الأحمر» على دلتا مصر، بل امتدت إلى محافظات الصعيد، مثل بني سويف والمنيا وسوهاج، حيث نجح عدد من المزارعين في زراعة الزعفران داخل أراضٍ مستصلحة، رغم ارتفاع درجات الحرارة وطبيعة المناخ الصعبة.

واعتمد مزارعو الصعيد على أساليب زراعية مدروسة للتغلب على التحديات المناخية، ما أتاح إنتاج «خيوط الذهب» في مناطق لم يكن يُتوقع نجاح هذه الزراعة فيها.

كما أسهمت زراعة الزعفران في توفير فرص عمل جديدة، خاصة للسيدات في القرى، إذ تتطلب عملية جمع الخيوط من الزهور دقة وصبراً ومهارة يدوية عالية، وهو ما فتح باب رزق لمئات النساء في الريف.وتطرح هذه النجاحات تساؤلات حول إمكانية أن يصبح الزعفران بديلاً لبعض المحاصيل التقليدية، بل وربما منافساً لمحاصيل تصديرية كبرى، بما يسهم في إدخال العملة الصعبة مباشرة إلى القرى المصرية.

صعوبات الطريق… «مخاطرة الذهب»

ورغم الأرباح المرتفعة التي يعد بها «الذهب الأحمر»، فإن الطريق إلى النجاح لا يخلو من تحديات. ويأتي على رأس هذه التحديات تسويق المحصول، إذ يجيد الفلاح المصري الزراعة، لكنه يواجه صعوبة في الوصول المباشر إلى الأسواق العالمية دون وسطاء يحصلون على النصيب الأكبر من الأرباح.كما يتعرض الزعفران لعمليات غش نظراً لارتفاع سعره، ما يستدعي وجود معامل معتمدة داخل المناطق الزراعية لضمان جودة المنتج قبل التصدير.

وتبرز أيضاً تكلفة البداية كعقبة رئيسية، حيث تُعد بصلات الزعفران مرتفعة الثمن، وهو ما يطرح تساؤلات حول دور الجمعيات الزراعية والبنوك في دعم المزارعين الراغبين في خوض هذه التجربة.

أرقام ودلالات

تشير التقديرات إلى أن الفدان الواحد من الزعفران يمكن أن ينتج ما بين 4 و6 كيلوجرامات من الخيوط المجففة، بينما يتطلب إنتاج كيلو واحد فقط قطف نحو 150 ألف زهرة، ما يوضح حجم الجهد والدقة المطلوبين في هذه الزراعة عالية القيمة.

تجربة زراعة الزعفران في مصر لم تعد مجرد محاولة فردية أو «هواية» زراعية، بل أصبحت رسالة واضحة من قلب الريف تؤكد أن الأرض المصرية ما زالت قادرة على العطاء. ومع توافر الدعم الفني والتسويقي، قد تتحول قرى مثل «شنراق» إلى مراكز عالمية لتجارة «الذهب الأحمر»، ويتغير حال الفلاح من البحث عن «الستر» إلى تحقيق الثراء الحقيقي من أرضه.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.