القاهرة _ أميرة المحمدي:
تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر دعوات صادرة عن منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان والتنمية، من بينها منظمة هيومن رايتس ووتش، تحثّ مصر على اتخاذ خطوات أوسع لتعزيز الوصول العادل إلى خدمات التعليم والرعاية الصحية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي مشروع تنموي مستدام.
هذه الدعوات، التي تستند إلى تقارير وبيانات إحصائية، تشير إلى أن نسب الإنفاق المخصصة لهذين القطاعين لا تزال، وفق تقديرات تلك المنظمات، أقل من المعدلات المنصوص عليها في الدستور المصري، وأدنى من بعض المعايير الدولية المعتمدة في الدول ذات الهياكل السكانية والاقتصادية المشابهة.
ويستند هذا الطرح إلى مقارنة بين نسب الإنفاق العام على التعليم والصحة، وبين حجم الناتج القومي الإجمالي، حيث ترى المنظمات الدولية أن الاستثمار في هذين القطاعين ينبغي أن يُعامل باعتباره أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن مشروعات البنية التحتية أو خطط الإصلاح الاقتصادي. وتؤكد تلك التقارير أن تعزيز جودة التعليم وتحسين الخدمات الصحية يمثلان عنصرين حاسمين في بناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية، وتقليص معدلات الفقر، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.
في المقابل، تشير الرؤية الرسمية إلى أن الدولة المصرية قطعت شوطًا مهمًا خلال السنوات الأخيرة في تطوير منظومتي التعليم والصحة، سواء من خلال التوسع في إنشاء المدارس والجامعات، أو تحديث المناهج وربطها باحتياجات سوق العمل، فضلًا عن إطلاق مبادرات صحية قومية واسعة النطاق استهدفت الكشف المبكر عن الأمراض، وتحسين مستوى الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين.
إقرأ أيضا… برلمان جديد يولد من أطول تجربة انتخابية في تاريخ مصر
وترى الحكومة أن تقييم حجم الإنفاق لا يجب أن ينفصل عن طبيعة التحديات الاقتصادية العالمية، وضغوط الموازنة العامة، والزيادة السكانية المتسارعة التي تفرض أعباءً إضافية على الموارد المتاحة.وتبرز في هذا السياق إشكالية أخرى تتعلق بكفاءة الإنفاق، إذ لا يقتصر النقاش على حجم المخصصات المالية فقط، بل يمتد إلى كيفية توجيه هذه الموارد وضمان وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول آليات الرقابة، ودور التخطيط طويل الأمد، وضرورة ربط السياسات التعليمية والصحية برؤية تنموية شاملة تستهدف تحسين جودة الخدمة، وليس الاكتفاء بتوسيع نطاقها الكمي.ومع اكتمال المشهد السياسي ودخول البرلمان الجديد إلى دائرة الفعل، تتزايد التوقعات بشأن الدور الذي يمكن أن يلعبه في إدارة هذا الملف الحيوي، من خلال مناقشة سياسات الإنفاق العام، ومراجعة التشريعات المنظمة لقطاعي التعليم والصحة، والعمل على تحقيق التوازن بين الالتزامات الدستورية ومتطلبات الواقع الاقتصادي.
كما يُنتظر أن يشهد البرلمان نقاشات موسعة حول سبل دعم الاستثمار في رأس المال البشري، باعتباره أحد أهم محركات النمو والاستقرار على المدى الطويل.وفي ظل هذا الجدل، يظل المواطن في صدارة المشهد، باعتباره المستفيد الأول من أي إصلاح حقيقي في منظومتي التعليم والرعاية الصحية. فتحسين جودة المدارس والمستشفيات لا ينعكس فقط على المؤشرات والأرقام، بل يمتد أثره إلى الحياة اليومية، ومستوى المعيشة، وفرص الحراك الاجتماعي.
وهو ما يجعل هذا الملف اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات العامة على الاستجابة لتطلعات المجتمع، وتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة.وفي النهاية ، فإن النقاش المتجدد حول التعليم والصحة يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الاستثمار في الإنسان، بوصفه الثروة الحقيقية لأي دولة. وبين التقارير الدولية والرؤى الوطنية، تبقى الحاجة قائمة إلى حوار جاد يوازن بين الإمكانات المتاحة والطموحات المنشودة، ويضع الإنسان في قلب العملية التنموية، باعتباره الغاية والوسيلة في آن واحد.


