dhl
dhl

مشروبات الطاقة بين الصحة والدين… جدل متجدد حول مخاطرها وحُكمها الشرعي

القاهرة _ أميرة المحمدي:

تستمر مشروبات الطاقة في إثارة جدل واسع بين الشباب والمجتمع العلمي والديني على حد سواء، فهي تجذب المستهلكين بوعودها بزيادة النشاط واليقظة، لكن الدراسات الحديثة والتحذيرات الرسمية تشير إلى أن هذه الوعود قد تخفي وراءها مخاطر صحية واقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها بسهولة.

تشير الدراسات العلمية إلى أن مشروبات الطاقة غالبًا ما تحتوي على كميات عالية من الكافيين والسكر ومكونات تحفيزية أخرى مثل التورين، وتُظهر الأبحاث أن تناولها بانتظام يمكن أن يؤدي إلى آثار سلبية على الصحة، أهمها ارتفاع ضغط الدم، اضطرابات ضربات القلب، مقاومة الإنسولين، والاختلالات الهرمونية، خاصة لدى الشباب الذين يستهلكونها بشكل يومي أو بكميات كبيرة.

وتُظهر بعض الدراسات أيضًا أن هذه المشروبات قد تُسبب مشاكل في نظام التمثيل الغذائي، وتؤثر على مستويات الهرمونات المسؤولة عن الشعور بالجوع والشبع، الأمر الذي يسهم في زيادة الوزن ومشكلات صحية أخرى مع مرور الوقت.

ومع انتشار هذه المخاطر الصحية، أصدرت عدة مؤسسات دولية تحذيرات وأوصت بالتعامل بحذر مع استهلاك هذه المشروبات، بل إن بعض الدول قررت تقنين استخدامها أو تقييد بيعها للمراهقين، كما هو الحال في الكويت التي حظرت تداول مشروبات الطاقة للأفراد دون سن 18 عامًا وحددت سقفًا لاستهلاكها اليومي، بهدف حماية الفئات الأكثر تأثرًا بهذه المشروبات.

وعلى المستوى المحلي، برز صوت دار الإفتاء المصرية في هذا السياق، فقد أوضح أمين الفتوى الدكتور هشام ربيع أن الحُكم الشرعي على مشروبات الطاقة مرتبط بمدى ثبوت ضررها، إذ تستند الفتوى إلى القاعدة القرآنية “ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، التي تمنع تعريض الجسد للأذى.

إقرأ أيضا..مصر تضع الصناعة في صدارة التحول الاقتصادي بافتتاح مجمعات صناعية ولوجستية كبرى في السخنة

وأكد أن تحريم المشروبات يكون قاطعًا إذا ثبت ضررها طبّيًا، وأن الحكم قد يكون كراهة أو استحبابًا للابتعاد عنها إذا كان احتمال الضرر قائمًا، بينما تبقى مباحة إذا لم يثبت ضررها المؤكد بحسب رأي الأطباء.

هذا الموقف الديني أثار تفاعلًا بين فئات الشباب على منصات التواصل، حيث يرى البعض أن التحذير المعلن من دار الإفتاء يجب أن يُؤخذ على محمل الجد باعتباره تجسيدًا للحرص على صحة الإنسان وسلامة جسده، بينما يعبّر آخرون عن رأي مفاده أن الخطاب الإعلامي قد يكون مبالغًا أحيانًا في تصوير المخاطر، مؤكدين أن الاعتدال في الاستهلاك والمعلومات العلمية الدقيقة يمكن أن يحقق توازنًا بين المتعة والمسؤولية الصحية.

من جهة أخرى، أطلقت مجموعات طلابية في بعض الجامعات حملات توعوية لتسليط الضوء على مخاطر مشروبات الطاقة على الصحة وخاصة بين الشباب والمراهقين، وحثّت على استخدام بدائل طبيعية وآمنة تمنح النشاط دون التأثير السلبي على الجسم، مثل المشروبات التقليدية القائمة على العناصر الغذائية المتوازنة.

وفي الوقت الذي تبدو فيه مشروبات الطاقة جزءًا من ثقافة الشباب الحديثة، فإن الأصوات العلمية والدينية والاجتماعية تتقاطع في نقطة واحدة: الصحة العامة تأتي في المقام الأول، ولا ينبغي تعريض الجسد للأذى تحت أي ذريعة، حتى لو كانت بدعوة زيادة النشاط أو مواكبة نمط حياة عصري.وفي ضوء هذا الجدل المتصاعد، يبدو أن مشروبات الطاقة لم تعد مجرد منتج استهلاكي عابر، بل تحولت إلى قضية تمس الصحة العامة والوعي المجتمعي والمسؤولية الأخلاقية في آن واحد.

فحين تلتقي التحذيرات الطبية مع القواعد الشرعية التي ترفض الإضرار بالجسد، تتشكل مساحة مشتركة تُعيد طرح سؤال جوهري: هل يبرر السعي وراء النشاط السريع تعريض الإنسان لمخاطر قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات؟ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في المنع أو الإباحة فقط، بل في بناء ثقافة استهلاك واعية تُقدّم سلامة الإنسان على إغراءات التسويق، وتجعل من المعرفة العلمية والدينية بوصلة تحمي المجتمع، خاصة فئة الشباب، من الوقوع في دائرة الاستهلاك غير الآمن.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.